تمكنت دولة الاحتلال خلال السنتين المنصرمتين من تحقيق أهداف كانت كامنة في العقل والفكر الصهيوني الفاشي المتطرف، مستغلة التحولات الكبرى في العالم والاقليم، ما اتاح لها الفرصة لفرض وقائع جديدة في الجنوبين اللبناني والسوري والتقدم في اراضي هذه الدول لخلق مناطق عازلة بحجة أمنها القومي والدفاع عن سكان الشمال. كما قامت ولا تزال بالاستثمار في مغامرات البعض العبثية بتدمير قطاع غزة ومحاولات التهجير المقنع، إضافة إلى التوسع في التطهير العرقي والتغيير الديمغرافي في الضفة الغربية والقدس. وخلف كل ذلك تكمن الاهداف الإسرائيلية الاستراتيجية التي بدت واضحة من خلال امتعاض نتنياهو وغضبه من الاتفاق المبرم بين الحكومة السورية وقسد، إذ أنه يريد أن يرى سوريا فدرالية أو مقسمة ومهشمة، كذلك رفضه لأي دور للسلطة الوطنية الفلسطينية في قطاع غزة ومحاولته تكريس الفصل الجغرافي والسياسي لتصفية حقوقنا الوطنية.
وبنظرة شمولية، فإن إسرائيل التي تعمل منذ زمن على شل أي قدرة لأية دولة عربية على الفعل أو التأثير الحقيقي في المنطقة، شرعت من خلال خارطة تحالفات هجينة مع بعض أنظمة المنطقة ومحيطها بالتمدد وبسط النفوذ بهدف التطويق الجغرافي لدول عربية لها وزنها وثقلها الجيوسياسي كجمهورية مصر العربية، أو تأثيراتها الدولية والاقليمية والاقتصادية كالمملكة العربية السعودية. فدولة الاحتلال ترى في مصر والسعودية منافسين في البحر الأحمر والعالم العربي، كما أن نفوذهما الاقليمي يمكن أن يحد من مشروعها في الاندماج الكامل في المنطقة، كذلك فانهما يشكلان عائقا حقيقيا أمام خططها للسيطرة على طرق الملاحة الدولية. ولذلك تسعى إسرائيل الى فرض اجندتها في الأمن الاقليمي من خلال إعادة ترتيب ميزان القوى في المنطقة بحيث تصبح هي اللاعب المركزي في البحر الأحمر والقرن الافريقي والمتحكمة فعليا، بفضل تحالفاتها وتواجدها المباشر، بكل المنطقة من المحيط الهندي مرورا بباب المندب والبحر الأحمر وقناة السويس وصولا إلى البحر الأبيض المتوسط، وهذا ما يفسر تحركاتها في أرض الصومال وتحالفها مع دولة الإمارات التي حاولت السيطرة على كل مناطق الشرعية في اليمن من البحر الأحمر حتى حضرموت على الحدود السعودية، وكذلك تقديم الدعم الإماراتي للدعم السريع في السودان ولبعض القوى في ليبيا، انسجاما مع الاستراتيجية الإسرائيلية لتطويق مصر والسعودية وافقادهما لادوارهما المؤثرة في المنطقة والاقليم. فالمخاوف الإسرائيلية من مصر والسعودية لها ابعادها الاقتصادية والسياسية والجيوسياسية، والتي ظهرت تجلياتها مع المتغيرات المتسارعة في المنطقة والتحولات الاقليمية والعالمية، والتي تمكنت خلالها هذه الدول من فرض حضورها في العديد من الملفات والقضايا الكبرى، لا سيما تصدي مصر الصارم لمخطط التهجير من غزة، والجهد السعودي على الصعيد الدولي لتجسيد قيام الدولة الفلسطينية، وجهود الدولتان في العمل مع المجتمع الدولي وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية لوقف الحرب على شعبنا وارضنا. فجمهورية مصر العربية رغم ازماتها الاقتصادية تبقى صاحبة أكبر جيش عربي وقادرة على التأثير في ملفات مثل غزة وليبيا والسودان، إضافة إلى تحكمها بقناة السويس. كذلك فإن السعودية تمتلك إضافة إلى الثقل الديني، ثقلا اقتصاديا يتعاظم عالميا وبشكل متسارع، ما يجعلها قادرة على قيادة الموقف العربي والإسلامي إضافة إلى محاذاتها للبحر الأحمر. فالسعودية ومصر تاريخيا قادتا الموقف العربي تجاه القضية الفلسطينية، واضعافهما من خلال تطويقهما يفتح المجال أمام إسرائيل لفرض اجندتها السياسية بغياب كتلة عربية قوية. كذلك فإن دولة الاحتلال التي تعتبر ايران تهديدها الأكبر، تخشى من أن تكون السعودية القوية قادرة على فرض أجندة مختلفة عن إسرائيل في الموضوع الإيراني، ما من شأنه اضعاف أي تنسيق إسرائيلي خليجي بهذا الصدد، رغم القلق العالمي اليوم من امكانية الانفجار الامريكي الايراني والوصول إلى حالة اللاعودة.
دولة الاحتلال التي لا تريد أن ترى أي قوة في الشرق الأوسط والمنطقة قادرة على التأثير أو تعطيل وعرقلة مشاريعها الكبرى المبنية على الاستفراد في الهيمنة على الاقليم ومصائر شعوبه وثرواته، دأبت على إقامة تحالفات مع دول حالمة من جهة، ودعم قوى انفصالية من جهة أخرى تضمن لها موطىء قدم يؤمن لها طوقا جغرافيا يحاصر مصر والسعودية ويقلص من دورهما الاقليمي والدولي كما ذكرنا. فالتحالف الإسرائيلي مع الإمارات تجاوز في ابعاده قضايا التطبيع التقليدي ليشكل جزءًا من مشروع التطويق الممتد عبر الدول المجاورة لمصر إضافة إلى تفاهمات مع إثيوبيا وتعاون مع ارتيريا للتحكم بالممرات المؤثرة على السعودية ومصر. كذلك فإن إسرائيل تبنت منذ العام ٢٠٢٣ استراتيجية توسعية تشمل السيطرة على مناطق في سوريا والتحكم بمناطق في لبنان، مما يخلق ضغطا على مصر والسعودية عبر تهديد التوازن الاقليمي. وإذا ما قدر لإسرائيل النجاح في مشروعها التوسعي، فهذا سيعني وجود طوق أمني إسرائيلي يمتد من حدود سيناء والبحر الأحمر والقرن الافريقي حتى سوريا ولبنان.
السعودية ومصر باشرتا التصدي لمحاولات التطويق الإسرائيلية بعد ان طرقت تلك المحاولات أبواب الأمن القومي للدولتين. فالسعودية تدخلت بشكل مباشر وحاسم في اليمن وأخرجت الإماراتيين منه وتعمل على تأمين حدودها الجنوبية وحماية مصالحها في البحر الأحمر، وعملت مصر على تطوير قدراتها البحرية في البحر الأحمر وباب المندب، وتستثمر جديا في الدفاع الجوي والصاروخي تحسبا لأي تهديد. كذلك اقام البلدان تحالفا يشكل محورا اساسيا للردع عبر التنسيق في الملفات الفلسطينية واليمنية والسودانية والبحر الأحمر، كما عمدا الى التقارب مع قوى غير عربية كتركيا في بعض الملفات، رغم التباينات، بهدف مواجهة النفوذ الإسرائيلي. يضاف إلى كل ذلك خطوة غاية في الأهمية تتمثل بتوقيع اتفاقية دفاع مشترك بين الرياض وإسلام اباد، تجمع بين القوة العسكرية الباكستانية كأكبر جيش مسلم تقليدي مع خبرة نووية، والدعم المالي والاقتصادي السعودي، وهو ما ينظر إليه كخطوة لتعزيز الردع وتعويض تراجع الثقة بالمظلة الأمنية الأمريكية، ما اثار قلق إسرائيل لأنه يفتح الباب أمام دور باكستاني أكبر في أمن الشرق الأوسط.
الإقليم كله يمر في واحدة من أدق مراحله. فهل ستتمكن دولة الاحتلال من احكام الطوق، ام أن السعودية ومصر ومن معهما من حلفاء سيكونون قادرين على توجيه الرياح عكس ما تشتهيه الأشرعة الإسرائيلية!





