الايام -محمد بلاص:بدت آليات الاحتلال، أمس، وكأنها تسابق الزمن في سبيل إحياء مستوطنة “ترسلة” أو “سانور” المخلاة جنوب جنين، في إطار توجه حكومة الاحتلال لإحياء الاستيطان في مناطق شمال الضفة، وتحديدا في محافظة جنين، والتي أخلت منها أربع مستوطنات إلى جانب معسكر “عرابة” جنوبا، في إطار خطة الانسحاب أحادية الجانب في العام 2005.
وخلال الأيام الأخيرة، بدأت قوات الاحتلال بإحضار “كرفانات” متنقلة، وشرعت ببناء جدار إسمنتي، وأعادت خدمة التيار الكهربائي لموقع مستوطنة “ترسلة” المخلاة، والواقعة على الشارع الرئيس الواصل بين محافظتي نابلس وجنين وبالقرب من قرى جبع والفندقومية وعجة.
ووفقا للقرار الحكومي الإسرائيلي الجديد، لم يعد وجود المستوطنين في تلك المواقع الاستيطانية المخلاة، مخالفا للقانون الإسرائيلي، ولكن هذه العودة مرهونة بموافقة عسكرية بدأ جيش الاحتلال في الآونة الأخيرة بتوفيرها.
ويعتبر موقع مستوطنة “حومش” المخلاة، من أهم مواقع المستوطنات الأربع المخلاة وأكبرها مساحة، حيث أقيمت عام 1978 فوق أراض تابعة لقرية برقة شمال نابلس وأخرى تعود لبلدة سيلة الظهر جنوبي جنين، وتتوسط محافظتي جنين ونابلس وتطل على الشارع الرئيس الواصل بينهما، وسيطرت على أكثر من ألف دونم من أراضي منطقة “الظهور-القبيبات” من أراضي برقة، وامتدت منطقة نفوذها لحوالي أربعة آلاف دونم أخرى من أراضي المواطنين، وجزء بسيط يصنف بأنه أراضي دولة تتبع لخزينة المملكة الأردنية.
وفي مطلع تسعينيات القرن الماضي، زار نتنياهو “حومش” وقال في كلمة له: “هذه منطقة جميلة لا تتركوها أبدا”، وضمت أكثر من 100 شقة سكنية، وفيها مجلس للخدمات وكنيس يهودي و”مكفى” وهو مكان لـ “التسبيع” وفق التعاليم اليهودية، واستخدمت بشكل أساسي كمستوطنة سياحية، ففيها ملاعب رياضية وبرك سباحة وناد وملاعب رياضية، إضافة إلى حدائق ورياض للأطفال.
وفي العام2005، أخلت حكومة الاحتلال “حومش” بالقوة العسكرية، لكن المستوطنين لم يفارقوها إلا لبعض الوقت، وحينها استصلح الفلسطينيون أراضيهم، ثم عاد المستوطنون ودمروا المنشآت الزراعية واقتلعوا الأشجار واعتدوا على المواطنين.
ورغم سماح المحكمة العليا الإسرائيلية في أكثر من قرار بعودة الفلسطينيين لأراضيهم وحظر دخول الإسرائيلي سواء جندي مدني أو مستوطن إليها، إلا أن المستوطنين لم يتقبلوا ذلك وواصلوا اقتحامها، فيما أعلن جيش الاحتلال المكان منطقة عسكرية مغلقة.
واتخذ المستوطنون عملية “حومش” والتي قتل فيها مستوطن أواخر كانون الأول عام 2021 برصاص مسلحين فلسطينيين، ذريعة لعودتهم إلى المستوطنة، وإقامتهم لمدرسة دينية فيها حتى الآن، بينما أقام جيش الاحتلال على مدخلها حاجزا عسكريا قطع الطريق بين محافظتي جنين ونابلس.
أما مستوطنة “كديم” أو “قاديم” كما تعرف، فاشتق اسمها من قرية “بيت قاد” المجاورة، وتقع على مشارف مدينة جنين وقرى أخرى محيطة، وأقيمت عام 1981 على حوض رقم (1) من منطقة “خربة غنام” من أراضي تصنف بأنها “خزينة دولة وأحراش” على مساحة تزيد على 160 دونما، وأخرى تعد أملاكا خاصة في قباطية، ثم امتدت لتسيطر على نحو 400 دونم، وهي بالاتجاه المقابل لمستوطنة “جانيم”، وعلى بعد كيلو متر واحد منها، والتي أخليت معها.
ورغم أن “كديم” ذات مساحة بنائية أقل من 80 وحدة سكنية، وعدد مستوطنين قليل يقدر ببضع عشرات، إلا أنها حوت ملاعب ومجلسا للخدمات، وتحولت في بداية انتفاضة الأقصى عام 2000 كمستوطنات كثيرة إلى قواعد عسكرية للجيش الإسرائيلي ومحطات لتدريباته، ولأجل هذا الغرض اقتلع الاحتلال مساحات كبيرة من الأشجار المحيطة بالمستوطنة، وقدرت مساحة الأرض المصادرة بـ 2100 دونم.
أما مستوطنة “جانيم”، واشتق اسمها من جنين، فأقيمت عام 1983 على أراضي عدد من القرى الشرقية لمدينة جنين، ومنها دير أبو ضعيف وأم التوت وعابا وخربة سبعين ومنطقة عرب السويطات، فوق أراض صنفت بأنها “خزينة دولة” على مساحة 185 دونما بشكل مباشر، ثم تمت لاحقا مصادرة 1863 دونما من أراضي المواطنين في تلك القرى.
وأخذت “جانيم” تتوسع شيئا فشيئا في مساحتها الهيكلية لا سيما فوق أراضي قرية عابا الشرقية المتاخمة للمستوطنة، ومن ثم المحمية الطبيعية وآثار قرية أم التوت، ورغم أن سكانها لم يكونوا يتجاوزون 100 مستوطن، إلا أن أعدادهم فيها تراجعت قبيل انتفاضة الأقصى عام 2000، فيما حوت المستوطنة التي صنفت بأنها مدنية إلى مصنع للمواد الكيميائية.
وتعرف مستوطنتا “جانيم” و”كديم”، بأنهما من المستوطنات ذات الجماهيرية العلمانية، والتي بادر لتأسيسهما ما يعرف بتنظيم “العامل الوطني” الإسرائيلي بهدف إقامة سلسلة من المستوطنات وربطها معاً.





