في الثاني من تشرين الثاني، لم يكن وعد بلفور مجرد رسالة سياسية أصدرتها بريطانيا، بل كان جريمة تاريخية بحق شعبنا الفلسطيني، وبداية لمؤامرة استعمارية استهدفت أرضه وهويته ووجوده وحقه في تقرير مصيره. ومنذ ذلك الوعد المشؤوم، تُرك شعبنا في مواجهة مشروع الاقتلاع والتهجير والاحتلال، وسط تواطؤ دولي وصمت عربي لم يرقَ إلى مستوى المسؤولية التاريخية والأخلاقية.
وبعد أكثر من قرن، ما زال شعبنا يدفع ثمن تلك الجريمة؛ فغزة تواجه حرب الإبادة والدمار والحصار، والضفة الغربية ترزح تحت وطأة الاستيطان والتهويد والاقتحامات ومخططات التهجير، فيما تعيش مخيماتنا الفلسطينية في لبنان أوضاعاً اجتماعية واقتصادية قاسية، تتفاقم فيها معاناة اللاجئين بفعل الفقر والحرمان والتهميش وغياب أبسط مقومات الحياة الكريمة.
ولم يعد الاستهداف مقتصراً على الأرض والإنسان، بل امتد ليطال الشاهد الدولي على نكبة شعبنا وحقوق لاجئيه، وكالة الأونروا، في ظل مخاوف متصاعدة من السياسات والإجراءات التي يتخذها المفوض العام بالإنابة، والتي يرى فيها شعبنا تهديداً لدور الوكالة وولايتها وخدماتها، ومحاولة للمساس بمكانتها بوصفها شاهداً دولياً على استمرار قضية اللاجئين وحقهم في العودة. إن المساس بالأونروا ليس مجرد تقليص لخدمات إنسانية، بل هو استهداف مباشر لحقوق اللاجئين ومحاولة لطمس الذاكرة الوطنية وشطب واحدة من أبرز نتائج النكبة.
وأمام هذه الوقائع، يحق لنا أن نسأل: أي عالم هذا الذي يتغنى بحقوق الإنسان، فيما يُترك شعب بأكمله بين الإبادة والاحتلال والتهجير والحصار؟ وأين مسؤولية المجتمع الدولي؟ وأين الموقف العربي القادر على ترجمة التضامن إلى فعل سياسي وشعبي يحمي شعبنا وحقوقه ويوقف هذه الجرائم؟
إن وعد بلفور كان جريمة استعمارية، واستمرار الصمت إزاء تداعياته خذلان تاريخي، والتخلي عن اللاجئين أو المساس بحقوقهم جريمة جديدة بحق التاريخ والذاكرة والعدالة الإنسانية.
إننا نؤكد أن حق العودة ليس شعاراً عاطفياً ولا مطلباً قابلاً للمساومة، بل حق وطني وتاريخي وقانوني ثابت، وأن قضية اللاجئين ستبقى في صلب المشروع الوطني الفلسطيني، وأن الدفاع عن الأونروا واستمرار ولايتها مسؤولية وطنية وقومية ودولية لا تقبل التراجع.
لن نسقط حق العودة، ولن ننسى فلسطين، ولن نقبل أن تتحول معاناة شعبنا إلى أرقام في تقارير المؤسسات الدولية، أو أن تصبح حقوقه مادة للمساومات والتسويات.
فلسطين ليست وعداً من بريطانيا حتى تمنحها أو تسحبها، فلسطين حق شعب متجذر في أرضه، لا تسقط حقوقه بالتقادم، ولا تكسر إرادته المؤامرات ولا الخذلان.
ستبقى راية النضال والمقاومة من أجل الحرية والاستقلال وتقرير المصير مرفوعة، وستظل غزة والضفة والقدس ومخيمات اللجوء حاضرة في وجدان شعبنا وأمتنا، حتى إنهاء الاحتلال وتحقيق أهداف شعبنا الوطنية.
فلسطين لنا، والعودة حق، والحرية والاستقلال غاية، ولا تنازل عن الحقوق مهما طال الطريق وعظمت التضحيات.



