أقلام واراء

عندما يعتذر وزير العمل رشيد شاهين

 

          منذ أيام عدة لم تتوقف وسائل الأعلام المحلية وبعض العربية عن تناقل ما قيل انه شتيمة “مقزز” كما وصفها بسام زكارنة، تلفظ بها وزير العمل د. احمد مجدلاني، خلال برنامج في إحدى المحطات المحلية، كما سارعت محطات الإذاعة الخمسة التي بثت البرنامج محل الواقعة إلى نشر ذلك على اليوتيوب والفيس بوك وغيرها من وسائل الانترنت والاتصال الحديثة.

 

          هذا الحديث ليس محاولة للدفاع عن وزير العمل بقدر ما هو محاولة لقراءة في الذهنية الفلسطينية والتي هي جزء لا يتجزأ من ذهنية اشمل وأعم في العالم العربي لا بل وفي العالم الثالث. هذه الذهنية التي تتميز بما يمكن أن نطلق عليه ذهنية “الانتقام وعدم التسامح وتصفية الحسابات”، تذهب بعيدا في محاولة قمع الآخر وكأنما نحن في حالة من التصيد لكل شاردة وواردة من هذا الطرف أو ذاك، ذهنية تذهب بعيدا في ” إذا وقع الجمل….” في محاولة للذبح من الوريد إلى الوريد.

 

          لقد شاهدنا والعالم كله مثل هذه الحالة في ذبح معمر القذافي وأبنائه مؤخرا، وكيف اصطفت الجماهير المتشفية “للفرجة” على جثته وابنه وكأنما هي تذهب إلى عرض مسرحي هزلي، كذلك هذا ما حصل وربما أسوأ في قضية إعدام الشهيد الراحل صدام حسين قبل سنوات، عندما رقص القتلة حول جثته في لحظة من الهوس وجنون النشوة بإعدامه وذبحه “كأضحية للعيد”، وقد قيل ان هنالك من اعتدى على جثته بعد سقوطها من المقصلة. هذا الفعل أيضا رأيناه في قطاع غزة عندما تمت تصفية سميح المدهون بشكل مقزز، لا بل أكثر “تقزيزا” مما ذكره السيد زكارنة، وكيف رقص من رقص حوله، وكيف سحلت جثته في الشارع.

 

          هذا العشق في الذهنية العربية للدم والانتقام إنما هو بقايا لثقافة جاهلية تأصلت في العقل العربي منذ ما قبل الإسلام، ولولا الرسالة المحمدية التي جاءت لتهذيب هذه العقلية ومدها ببعض من المدنية والتحضر، ربما لكانت شعوب العرب من أكثر الشعوب العالمية دموية واقتتالا وربما بربرية.

 

          ما حدث خلال الأيام الماضية انه جرى تضخيم أمر ما جاء على لسان وزير العمل من شتيمة، بما يدعو إلى التساؤل عن السر في ذلك ولصالح من يتم، خاصة وانه ومنذ اللحظة الأولى قال مجدلاني ان تلك الشتيمة كانت في سياق مختلف تماما، وانها لم تستهدف أبناء فلسطين، كما انه ظهر بحسب علمنا على نفس الإذاعة وأكد على هذه القضية، إلا ان أحدا لم يستمع وأحدا لم يشأ ان يقتنع.

 

          المحطات التي سارعت إلى بث ما بثته عبر وسائل الانترنت لم تسارع إلى مثل ذلك عندما أعلن الوزير انه يعتذر، وفي هذا بعد كبير عن الموضوعية وشرف المهنة والمصداقية، كما لم نر كل الذين سارعوا إلى بث الشتيمة على الفيس بوك وتويتر وغيرهما من الوسائل، يفعلون ذلك بعد ان قام الوزير بالاعتذار.

 

          خلال اليومين الماضيين جرت العديد من الاتصالات بين أكثر من طرف ومن بينهم السيد بسام زكارنة، وممن يحرصون على عدم تفاقم الموقف، وكانت هنالك بعض الأجواء        الايجابية خلال ذلك، إلا انه وبعد ان تم إعداد البيان الذي يعلن فيه الدكتور مجدلاني اعتذاره عما بدر منه، جرت محاولات تهرب من قبل السيد زكارنة الذي تذرع بالتزامات مسبقة، إلى ان تم عقد اجتماع لمجلس النقابة وأصدر البيان الذي يبدو فيه التصعيد واضحا ودفع الأمور إلى طريق مسدود لن يكون مفيدا لأي من الأطراف.

 

          الموقف الذي حدث وبحسب تأكيد وزير العمل لم يكن له علاقة بموضوع المقابلة التي جرت على المحطات المحلية، ومن يستمع ويدقق في سياق الحديث الذي تم نشره في كل مكان، يستطيع إذا كان موضوعيا وليست له غايات أو أهداف غير سوية ويبحث عن الحقيقة، ان يعرف ان المقابلة انتهت، وان المذيع شكر الوزير، وان الوزير رد التحية بأحسن منها، وانه لم يكن عصبيا ولا متوترا، وانه تم إغلاق الخط على هذه الشاكلة، إذن أين كانت المشكلة.

 

          بعد ان تم إغلاق الخط وبحسب وزير العمل كان هنالك نقاش مع أشخاص في مكتبه وان الشتيمة لم تكن موجهة لأي من محاوريه في البرنامج الإذاعي، وعليه فالرجل يقول ان لا احد مقصود  في ذلك، إلا ان الجانب الآخر يصر على ان الشتيمة كانت موجهة لهم.

 

          معالي الوزير وحين وجد ان هنالك إصرار من قبل البعض على اتهامه، اصدر بيانا يعلن فيه اعتذاره عما حدث، هذا الموقف الذي يتسم بجرأة وشجاعة عالية خاصة وان هذه تعتبر من الحالات النادرة التي يقدم فيها مسؤول في دول العالم الثالث على الاعتذار، وكان على المجلس ان يتوقف أمام هذا الموقف والنظر إليه بشكل مختلف، وتشجيعه، لأنه يرسخ سياسة الاعتذار لا سياسة البلطجة والمكابرة، موقف يرسخ ثقافة ايجابية في التعاطي مع المسائل، لا إدارة الظهر، موقف يمكن ان يعمم ثقافة نحن في أمس الحاجة إليها ليس فقط في فلسطين وإنما في العالم الثالث برمته.

 

          ان من يقرأ بيان مجلس النقابة يعتقد بأننا ذاهبون إلى حرب، بيان يذكرنا ببيانات الانتفاضة الأولى والثانية وببيانات القيادة العراقية عندما كانت تتصدى لقوات التحالف وهي تذود عن ارض وشعب العراق، لغة فيها من التحريض والشحن غير المبرر ما يكفي لكي تقوم حرب، لغة كنا نتمنى ان نسمعها في مواقف كثيرة غابت عنها النقابة بكل ما لها من ثقل، وبكل ما لتلك الأحداث من أهمية.

 

          بالأمس وخلال عودتي من عملي، التقيت بأحد الإعلاميين البارزين، وسألني عن موضوع وزير العمل، وبعد حوار لم يستمر طويلا، قال لي، انه كان في إحدى المؤتمرات الصحفية برام الله عندما قامت إحدى الشخصيات القيادية المعروفة بتوجيه سيل من الشتائم خلال المؤتمر الصحفي،  إلا ان أحدا من هؤلاء  لم يشر من قريب أو بعيد لذلك، وقال ان ذلك يعود إلى ان ذلك القائد معروف عنه انه ليس دبلوماسيا ويمكن ان يقوم بما هو أكثر من ذلك.

 

          باختصار شديد يمكن القول ان البيان الذي أصدره وزير العمل مؤكدا فيه انه لم يقصد أي فلسطيني، وبرغم ذلك فهو يقدم اعتذاره، يجب النظر إليه على انه كاف وان لا داع لأي تصعيد، خاصة في ظل عدم استفادة أي طرف من التصعيد سوى الأطراف المعادية للشعب الفلسطيني، علما بان هنالك الكثير من الموظفين الذين لم ينظروا إلى الموضوع كما تم النظر إليه من قبل المجلس، لا بل هنالك وبحسب ما نعلم الكثير من الموظفين الذين ابدوا امتعاضهم لهذا التصعيد، كما اجروا اتصالات للتعبير عن قبولهم للاعتذار ومساندتهم للوزير وتفهمهم لموقفه.

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى