الرئيسيةالاخباركيف تحكم "داعش" خلافتها؟

كيف تحكم “داعش” خلافتها؟

فهرس

شهد هذا العام إعادة رسم لخريطة الشرق الأوسط. وحاز الغرب عدواً معلناً جديداً يحتل الأولوية: قاسياً، شرساً وبلا وجه. وتوسعت “الدولة الإسلامية” أو “داعش” من جماعة إرهابية غامضة نسبياً في بداية العام، إلى واحدة تتمتع بسيطرة شبه مطلقة على كل مكان في حدود منطقة تبلغ مساحتها 12.000 ميل مربع (وفقاً لصحيفة وول ستريت جورنال)، و35.000 ميل مربع (وفقاً لمجلة نيويوركر) من الأراضي السورية والعراقية سابقاً. وفي داخل هذه المنطقة، يترتب على نحو 56 مليون شخص تدبر أمر العيش بين جيوش الميليشيات المتناحرة، وأمراء الحرب والجيوش الوطنية التي يمكن بالكاد تمييزها عن بعضها بعضا.
ولكن، في حين تحاول القوات الغربية مواجهة صعود “داعش” باستراتيجيتها القائمة على القصف المتواصل، لا يكاد يتم إيلاء اهتمام يذكر للواقع غير المستساغ داخل حدود ما يسمى “الدولة الإسلامية” الجديدة، أو دولة “الخلافة”. ففي خضم كل هذه الفوضى، تعكف “داعش” بدأب وبشكل منهجي على إنشاء مناطق حكم مدني واضحة يمكن تحديدها، باعثة حياة جديدة في ذاكرة مجموعة دول الخلافة التي وحدت سلسلة متعاقبة من الإمبراطوريات الإسلامية حتى العام 1924.
في الآونة الأخيرة، قدم سكوت أتران، عالم الأنثروبولوجيا وزميل الأبحاث في جامعة أكسفورد، تقريراً إلى وزارة الدفاع الأميركية والكونغرس، والذي تحدث عن الصعوبات التي تنطوي عليها محاربة الأيديولوجية التي تقوم عليها مثل هذه الدولة.
يقول أتران: “لم يحدث أن تلاشت الخلافة كفكرة على الإطلاق. والآن، وقد عادت إلينا مرة أخرى بعد توقف دام ما يقرب من 100 سنة، كحقيقة وواقع ملموس، فإنها ستركز على كسب قلوب وعقول مئات الملايين من الناس. والسؤال الحاسم ليس: “كيف يمكننا إعاقة أو تدمير الخلافة؟” لأن من المرجح أن تأتي محاولات القيام بذلك بنتائج عكسية. إن السؤال الحاسم هو: “كيف يمكننا أن نعيش مع فكرة الخلافة، ونقوم بتحويل فكرتها وواقعها -وهي التي ربما تصبح لديها قدرات نووية، عاجلاً وليس آجلاً- إلى شيء لا يهدد طرق عيش الشعوب الأخرى؟”، وهو سؤال مطروح على الجميع، لكنه غائب تماماً عن رادارنا السياسي”.
في الرقة –عاصمة الأمر الواقع للدولة الإسلامية، وسادس أكبر مدينة في سورية- يقوم ضباط معايير التجارة بتفتيش المحلات للتدقيق على تواريخ المنتجات منتهية الصلاحية. وهناك يتم تطبيق القانون بحزم (ولو أنه قائم على تفسير “داعش” الخاص الصارم للشريعة). ويقول حسن حسن، الكاتب والباحث في معهد ديلما في أبو ظبي: “إنهم يحاولون أيضاً تسوية النزاعات الاجتماعية من أجل إقامة روابط وقنوات مفتوحة مع المجتمعات المحلية، بهدف تطبيع وجودهم. وعلى سبيل المثال، توسطوا قبل أسبوعين، وبنجاح، في إقامة هدنة بين قبيلتين في شرق سورية، واللتين كانت بينهما توترات عميقة الجذور على مدى ثلاثة عقود. كما يقومون أيضاً بالتحكم في كل الجزئيات، مهما كانت صغيرة، فيما يتعلق بإدارة التعليم والوعظ في المساجد، حتى لو لم يكن المعلمون بالضرورة جزءاً من كوادر المجموعة”.
وفقاً لصحيفة الإندبندنت اللندنية، قامت “داعش” بفصل سلطتها المدنية عن سلطتها العسكرية، وعيّنت الولاة للإشراف على جميع الوظائف الرئيسية. وإقليميا، تم تقسيم الأراضي التي احتلتها المجموعة إلى محافظات، أو ولايات، من أجل تسهيل إدارتها. كما تم إنشاء بنك مركزي، بيت التمويل الإسلامي، والذي تقوم المجموعة من خلاله بإدارة الاقتصاد الأوسع لدولة خلافتها. بل إن هناك حديثا يدور عن إصدار المجموعة عملتها الخاصة أيضاً.
في جميع أنحاء المناطق التي تحتلها من سورية والعراق، تعرض “داعش” كل الإشارات على بناء دولة فاعلة وسط كل هذه الفوضى السائدة. وربما يكون من الصعب فهم أهمية الاستقرار الذي يصاحب هذا الاقتراح بالنسبة لملايين الأسر وأبنائها الضائعين وسط الصراعات الطائفية الوحشية في العراق وسورية. وإذا أردنا صياغة بسيطة للفكرة، فإن المجموعة “ستكسب اللعبة، إذا حصلت على الحق في الحكم”، كما يقول أتران.
في الوقت الذي تظل فيه وحشية “داعش” كاملة وليس لها حدود، يسود بعض الشعور لدى الناس بأنها تتعرض للاستهداف. لذلك، ومع أنه من غير المرجح أن تجلب عمليات الصلب والإعدام العلني الكثير من الحب للمجموعة، فإنها ربما تكون هناك بعض القيمة للاستقرار الذي يصاحب الحدود القانونية الحازمة التي يتم تطبيقها بلا هوادة في المدن المعتادة على الفوضى منذ فترة طويلة. ويقول بيتر هارلينغ، المستشار الخاص لمجموعة الأزمات الدولية: “تتمثل قوة الدولة الإسلامية في الحكم في كونها تبلي حسناً، هامشياً، مقارنة بالآخرين”.
ويضيف “هيكل المجموعة لامركزي، لكنه ثابت نسبياً وواضح. وربما لا تكون سوية أدائه بنفس سوية مؤسسات الدولة السابقة، ولكنه يترك الناس أفضل حالاً مما كانوا عليه وهم في أيدي المجموعات المسلحة الإجرامية المتحولة، والميليشيات الأجنبية، أو الحكومة الانتقامية العاكفة على معاقبتهم”.
تميز بناء دولة “داعش” ببراغماتيته. وثمة العديد من البيروقراطيين السابقين في نظام صدام حسين الذين يملأون الآن صفوف الجماعة. وهناك تونسي يحمل درجة الدكتوراة، يشرف حالياً على نظام الاتصالات في الرقة؛ وهناك موظف سابق في نظام الأسد هو المسؤول الآن عن تشغيل المطاحن وتوزيع الدقيق في أنحاء الرقة.
ومع ذلك، لا يعني هذا الزعم بأن “داعش” تتمتع بشعبية عالمية. وقد تحدث أبو إبراهيم الرقّاوي، مؤسس شبكة الناشطين التي تحمل اسم “الرقة تُذبح بصمت”، عن ثقافة الذين يملكون والذين لا يملكون، حيث يتمتع أعضاء “داعش” بمستوى عال نسبياً من المعيشة، بينما يُترك بقية المجتمع للكفاح والمعاناة. وقال الرقاوي لصحيفة الأوبزرفر البريطانية: “تعاني المدينة من الفقر والمرض. وإحدى المشكلات الكبرى هي أن كل الأسعار داخل المدينة أصبحت مرتفعة للغاية، خصوصاً بعد الضربات الجوية التي تنفذها قوات التحالف”.
في العديد من المناطق، خاصة تلك الجيوب الليبرالية أو الأكثر شبهاً بالغرب من العراق وسورية، مثل حلب، جلبت تصرفات المجموعة القاسية الكراهية عليها. ومع ذلك، لقي وجودها ترحيباً، على الأقل في تلك المناطق التي أقامت فيها المجموعة درجة من الحكم.
مع ذلك، بدأت هيمنة “داعش” تعرض علامات على التحوُّل خلال الأسابيع القليلة الماضية؛ حيث يشير بعض المراقبين إلى أول المؤشرات على حدوث جمود في وجهة الحرب الجهادية الخاطفة. وعلى سبيل المثال، في مدينة كوباني التي تشكل نقطة محورية في الصراع الحالي، ربما يكون مد “داعش” قد تجمد على الأقل، إذا لم يكن قد توقف تماماً، وهو ما قد يكون بمثابة ضربة حاسمة توجهت للقبول الأسطوري الذي تمتعت به المجموعة. ويعتمد الكثير من جاذبية “داعش” فيما يتعلق بالتجنيد على فكرة أن الجماعة لا تُقهر، وإذا لم تستطع تحقيق النجاح بعد إطلاق غضبها الكامل على بلدة حدودية صغيرة، فإن الضرر الذي يصيبها يمكن أن يكون مقيماً.
قبل أيام، أشارت منظمة استخبارات الأمن الاستراتيجي التي تحظى باحترام كبير، مجموعة صوفان، إلى جهود “داعش” المشوشة للاستيلاء على الأنبار، وهي نقطة استراتيجية رئيسية إلى الغرب من بغداد، وعلقت مجموعة صوفان بأنه في حين أن من غير المرجح أن تنهار المجموعة بين عشية وضحاها، فإن “هالتها باعتبار أنها قوة لا تقهر قد خُدشت تماماً”.
في حين أنها لا تشكل بداية النهاية، فإن النكسات الأخيرة التي أصابت حملة “داعش” لإقامة خلافتها الخاصة تنطوي على ما يكفي لإثارة المخاوف لدى المدنيين المحاصرين الذين يعيشون في داخلها، والذين سيجدون أنفسهم، في حال انسحاب “داعش”، تحت رحمة الجهات الفاعلة الأخرى في هذا المشهد الغارق في الدماء. وفي حين تقدم “داعش” بعض مظاهر النظام، فإن الجماعات الجهادية التي تتضخم مثل الخلايا السرطانية إلى ما لا نهاية، وجيوش الدولة الانتقامية، والميليشيات، لا تعرض لهؤلاء الناس قدراً أكبر كثيراً من السلوى.
في تموز (يوليو)، ذكرت الشبكة السورية لحقوق الإنسان أن القوات الموالية لنظام دمشق قتلت ما لا يقل عن 109.347 من المدنيين، من بينهم 15.149 طفلاً و13.695 امرأة. كما قتل 4.892 شخصاً آخرين تحت التعذيب. ويبقى الحكم من حكومة بغداد احتمالاً غير مريح بالمقدار نفسه. وكانت منظمة “هيومان رايتس ووتش” قد وثقت في أيلول (سبتمبر) “عمليات الإعدام الجماعية للسجناء السنة، وعمليات الخطف والإعدامات شبه الفورية بعد إجراءات موجزة” التي نفذتها قوات الأمن العراقية.
بالإضافة إلى ذلك، سوف يكون من السذاجة توقع أي تحسن في القريب. ويقول فراس أبي علي، محلل شؤون الشرق الأوسط في مؤشر مخاطر البلدان: “إذا كانت 10 سنوات من التدريب الأميركي، وإنفاق ما يقارب 25 مليون دولار لم تبنِ جيشاً فعالاً في العراق، فإنه سيكون من الإفراط في التفاؤل أن نتوقع مثل هذه النتيجة في غضون أشهر قليلة”. وقد قطعت الميليشيات الشيعية، التي تعمل بناء على طلب ضمني من حكومة بغداد، أشواطاً شاسعة من الإرهاب في أنحاء البلد، وهو ما سيترك ندبة دائمة على أجيال. كما اتهمت قوات البشمرغة الكردية، التي كثيراً ما يُعلق عليها الأمل الغربي، بارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان هي الأخرى.
الآن، مع الضعف الجديد الواضح في موقف “داعش” التي كانت عصية سابقاً على الاختراق، ربما يتساءل الناس في الأراضي التي تسيطر عليها “داعش” في سورية والعراق عن ماهية البدائل التي يمكن أن يتطلعوا إليها في هذه الظروف.
وكلما تساءلوا أكثر، بدت هذه الخيارات أقل جاذبية.

الغد الاردنية

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب