ثقافة وادبزوايا

هل شهادة إعجاب أحلام مستغانمي عادلة وعفوية؟ …يقلم :مولود بن زادي

30qpt850
عرض أحد المواقع الأدبية في «الفيسبوك» منشورا لسفيان مخناش ـ روائي من الجيل الجديد في الجزائر ـ بعنوان «كلمة من الملكة، لا تنبغي لأحد، لا من قبلي ولا من بعدي». المنشور عبارة عن بطاقة تحمل صورة الروائي المبتدئ مخناش إلى اليسار وصورة مواطنته المعروفة أحلام مستغانمي إلى اليمين وبينهما شهادة بتوقيعها: «سفيان مخناش صاحب رواية «لا يترك في متناول الأطفال» من الكُتّاب الواعدين في الأدب الجزائري».
وإذا بأول تعليق على المنشور ينتقد الرواية التي أطرت عليها مستغانمي: «إنها من أضعف الروايات التي قرأت». يليه تعليق آخر شديد ينتقد هذه المرة أحلام مستغانمي: «سبب من أسباب ضعف الرواية تقمّص الروائي دور الناقد.. ثم أي ناقد؟ إنها مهزلة».
ومن ثم، توالت تعليقات أخرى مدافعة عن أحلام. قال قائل منهم في صفحة «الرواية الجزائرية»: «الكاتب هو أيضاً قارئ، فمن حقه أن يبدي رأيه». وقال آخر: «الكاتبة أبدت رأيا بوصفها قارئة ولم تصدر حكما نقديا تقييميا، حيث أنها لم تبرز لنا مواطن الجمال في هذا العمل الروائي». فهل تعدُّ شهادة أحلام مستغانمي تدخّلاً في النقد أم أنها تعبير عن وجهة نظرها فحسب ولها الحق في ذلك؟ وإن كان لها الحق في ذلك، هل من العدل أن يمارس أدباء في وزن أحلام مستغانمي هذا الحق والإدلاء بمثل هذه الشهادات التي من شأنها أن تلقي الأضواء على بعض الأقلام الناشئة دون أقلام أخرى كثيرة تبقى في الخفاء لا تجد من ينير طريقها ويوجه أنظار الجماهير إليها؟ ومَنْ مِن هؤلاء اطلع على كل إبداعات المواهب الجديدة – وبعضها لا يوجد حتى في المكتبات لسوء النشر والتوزيع، ليكون الحكم عادلا؟ ألا يحسن ربما برواد الأدب العربي الحذر قليلا عند الإدلاء بمثل هذه التصريحات حتى لا يثقلوا موازن أديب ناشئ على حساب مواهب جديدة أخرى؟
صدق مَن قال إنَّ شهادة مستغانمي لا تعدّ نقدا. فما كتبته لا يندرج في خانة النقد الأدبي الذي يُعرَّف بأنه دراسة الأعمال الأدبية وشرحها وتحليلها وموازنتها بغيرها من الأعمال، من خلال الاجتهاد لكشف ما فيها من مواطن الجمال والقبح والقوة والضعف. فنحن لا نرى شيئا من ذلك في شهادة مستغانمي، وفي الحقيقة ما سمعنا أبداً أنها خاضت في النقد، وما رأينا يوما مقالة نقدية تحمل اسمها في أي صحيفة. والروائية نفسها لم تزعم يوما أنها ناقدة أو حتى مهتمة بالنقد. فإن لم تكن ناقدة، أيمكن ربما اعتبارها مجرّد قارئة تعبر عن رأيها، كما قال فريق من المعلقين؟ للإجابة على هذا السؤال نقول: حتى إن نظرت أحلام مستغانمي إلى نفسها، أو نظر إليها بعض مناصريها، على أنها قارئة عند إدلائها بهذه الشهادة، فإن أغلبية الجماهير لا تنظر إليها مطلقاً على أنها كذلك وإنما كاتبة ولا تشاهد فيها إلا صورة تلك الروائية المبدعة والمميزة والشهيرة التي تُباع رواياتها بالملايين، ويتدافع المعجبون للحصول على توقيعها الشخصي. روائية ظلت لسنوات طويلة في قمة الهرم الأدبي في الوطن العربي، لا ينازعها في تلك المنزلة الرفيعة منازع.. أيقونة أدبية، وظاهرة فنية نادرة، وملكة – كما أشار إليها الروائي مخناش في منشوره ـ تتربع على عرش الرواية العربية، تشرئب إلى صورتها وصوتها الجماهير العربية من الخليج إلى المحيط. فهي لا تبدو للعالم قارئةً عادية وإنما قدوة ومرشدة باعتبارها تحظى بشعبية واسعة في أنحاء الوطن العربي، فما تتلفظ به يُصغى إليه ولا يستهان به. فلن يكون تأثير مثل هذه الشهادات في نفوس الجماهير الكثيرة المنبهرة بمستغانمي مماثلا لتأثير امرأة عادية أو قارئة غير معروفة وغير محبوبة لدى هذه الجماهير، فشتان شتان!
إنَّ تأثير الشخصيات الشهيرة في نفوس الناس حقيقة معروفة ومسلّم بها منذ عشرات السنين، ويتّضح الاهتمام بهذا التأثير أكثر في المجتمعات الغربية ومنها بريطانيا، حيث يقول الكاتب الإنكليزي جيمس ماكنتوش في مقالة تتناول تأثير الشخصيات الشهيرة في نفوس البشر: «يستطيع هؤلاء التأثير في اللباس الذي يرتديه الناس، وفي الموسيقى التي يستمع إليها الناس، وفي الطعام الذي يأكله الناس. فقدرة الشخصيات الشهيرة معروفة للغاية في عالم الثقافة الشعبية». وحسب دراسة نشرتها صحيفة «تليغراف» البريطانية، فإنّ 14 من الشباب يعترف بتأثره بالشخصيات الشهيرة أكثر من تأثره بأشخاص يعرفهم».
وقد بلغ الاهتمام بتأثير الشخصيات الشهيرة في نفوس الجماهير مبلغاً جعل الكثير من الأمم يُشرك المشاهير في الجمعيات الخيرية. فقد أكدت التقارير أن الإعلانات الداعية إلى التبرع بالمال على شاشات التلفزيون التي تشارك فيها شخصيات شهيرة تثير اهتماماً أكبر من الإعلانات التي لا تشارك فيها شخصيات معروفة، فأي شهادة من هذا القبيل من شخصية لها وزنها وكلمتها في الساحة الأدبية تستطيع أن تؤثر في القراء وما يقرأونه وأن تقلب الموازين فترفع من مقام أديب ما دون بقية الأدباء، بل من شأنها أن تخلق بين عشية وضحاها نجماً قد لا يكون جديرا بالنجومية، وبطلا من غير بطولة.
بعد هذا، يحق لنا ربما أن نتساءل: ما سرّ اختيار أحلام مستغانمي الروائي مخناش بالذات من بين كل الروائيين المبتدئين، وهل خلت الساحة من المبدعين؟ وما سر إعجابها بروايته «لا يترك في متناول الأطفال» من بين مئات الروايات؟ وهل هذا إعجاب عفوي لا يرتبط بالذات أو بردّ جميل؟
في مقالة بعنوان «قراءة في رواية «لا يترك في متناول الأطفال» تأليف الروائي الناشئ سفيان مخناش، يقول يحيى نور: يبدو، سيد سفيان، أنك مُغرم جدا بروايات أحلام مستغانمي، ومهُووس جدا في اتباع أثرها والسير في فلكها، فبصمات طريقتها مطبوعة في روايتك، فقد قـُمتَ ببعض التحوير والتجميع للثلاثية الأولى «الذاكرة، الفوضى، العابر»، ثم عملتَ بنصيحة أحلام في الرابعة «نسيان. كوم»، في كيفية التعافي والشفاء من مرض الحب (العشقولوجيا، مُصطلحك الجديد) ومرض الأحلام (الكوفي كوجيا، اختراعك المُذهل)، وكيف لا وقد تحولت السيدة أحلام إلى شيخة الطريقة العشقية، ومُلهمة كُتاب الرواية الناشئين مثلك سيد سفيان، فأصبحت بعض عبارات وجُمل رواياتها رسائل وكلمات يتبادلها العُشاق عبر الهاتف. وفي روايتك، قـُمتَ بتغيير الديكور والزمان والمكان (من قسنطينة والعاصمة وباريس، إلى سطيف والعاصمة) واحتفظت بالشخصيات والأحداث، أحلام اختارت «خالد» بطلا في «ذاكرة الجسد»، يكتب اعترافا يرسله إلى حبيبته أحلام، وأنت اخترت فتاة (س. ن) تكتب اعترافا تُرسله إلى عشيقها لمجرد وفي «فوضى الحواس»، يتغير البطل إلى فتاة «حياة»، تكتب القصص وتحلم بأخرى. وفي عابر سرير مزج بين الروايتين، لمجد يتزوج فتتخلى عنه «س. ن»، وأحلام تتزوج وتتخلى عن خالد، خالد يطاردها في كل مكان (رغم أنها متزوجة من عسكري) بحثا عن ذكريات ضائعة، لمجد يطارد عشيقته (رغم أنه متزوج)، بحثا عن الذكريات وتكرار التجربة. (س. ن) تائهة ومريضة بالغرام والعشق، تستبدل عشيقها بآخر «أمين الثري»، فيخيب مسعاها بعد شهور، ثم تستبدله بـ«أصيل»، رغبة في إشباع نهمها العاطفي وجوعها الجنسي، وأحلام تكرر التجربة نفسها بعد خالد، مع زياد ثم عبد الحق… (س. ن) تحصل على البكلوريا ثم تسافر إلى العاصمة لإتمام دراستها، فتبدأ مغامراتها العشقية الجديدة، أحلام تسافر إلى باريس للدراسة فيبدأ تقويمها الجديد مع الحب ولواحقه. مصطلحات مثل «الجسور»، «الحب كما الموت»، والكلمات المختصرة مثل» «قطعا»، «حتما»، «دوما» نجدها تتكرر في روايتك سيد سفيان! وكأنه تأثر متعدد الأبعاد بروايات مستغانمي».
ليست هذه المقالة الوحيدة التي كشفت هذا الانتحال. فقد جاء في دراسة نقدية بقلم يسمينة مباركي – قسم نقد معاصر، كلية الآداب واللغات جامعة سطيف: «في نهاية الرواية نلتمس عودة الكاتب الذكر على طريقة الكبار «أحلام مستغانمي» ليقدم لنا جملة من النصائح والإرشادات تماما كما فعلت أحلام في روايتها «نسيان. كوم». وجاء في تقويم لرواية مخناش هذه في موقع (غودريدز) الشهير: «للأسف لصق الكاتب فقرتين من كتاب أحلام مستغانمي، من دون أن ينسبهما لها، يعني سرقة وهذا ما أثار غيظي…».
وفي الوقت الذي يرد فيه الأدباء الذين يتعرضون للسرقة الأدبية ردا قويا معبرين عن استيائهم وسخطهم، وكيف لا وقد نُسِخ عملهم، وقُلِّدَ أسلوبهم، واختُلِسَ جهدهم، ها هي أحلام مستغانمي تفاجئنا بالشذوذ عن القاعدة، فتردُّ بأن تخصّه، وحده دون غيره من الأقلام الأدبية الناشئة، بشهادة إعجاب وتعلنه «من الكتاب الواعدين في الأدب الجزائري» بأعمال تبدو نسخة طبق الأصل لأعمالها، وهو ما يبقى لغزا محيرا.
٭ كاتب جزائري مقيم في بريطانيا

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى