الأحد, مارس 15, 2026
spot_img
الرئيسيةزواياأقلام واراءالولايات المتحدة تنفذ "نبوءات التوراة" لأجل إسرائيل! ما حقيقة أهداف الحرب؟ .....

الولايات المتحدة تنفذ “نبوءات التوراة” لأجل إسرائيل! ما حقيقة أهداف الحرب؟ .. بقلم :خليل حمد

لم يحتل مشهد “الصلاة” في البيت الأبيض لأجل النصر في حروب أمريكا حيزاً مهماً في وسائل الإعلام الكبرى، لكن اجتماع 20 قسَّاً حول الرئيس الأمريكي لمباركته وطلب “النصر الإلهي” حدث يعكس تداخلاً غريباً بين السياسة والدين في البيت الأبيض، وتوقيته الذي صادف بعد أسبوع واحد على بدء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، نقطة يُمكن أن يُبنى عليها الكثير.
تشير بعض التقارير إلى أن أكثر من 100 جندي أمريكي قدموا شكاوى تفيد بأن بعض القادة العسكريين ربطوا الحرب بنبوءات توراتية. قيل للجنود إن الصراع مع إيران جزء من “خطة إلهية” مرتبطة بنهاية الزمان، وأشارت بعض الخطابات العسكرية معركة “هرمجدون” وعودة المسيح.
الربط هنا ليس من باب التحليل، بل من باب قراءة الواقع. توصف إدارتا ترامب (الحالية والسابقة) بأنها من أكثر الإدارات الأمريكية التي تضم مسيحيين إنجيليين، مؤمنين بنبوءات التوراة، بين كل الإدارات الأمريكية في السنوات العشرين الأخيرة على الأقل. الأمر مرتبط بالقاعدة الانتخابية بالتأكيد. يمثل أعضاء منظمة “المسيحيون المتحدون لأجل إسرائيل” (الذين يتجاوز عددهم 10 ملايين) كتلة تصويتية حاسمة لترامب وللحزب الجمهوري. المنظمة هي أبرز الأطر التي تجمع عدداً كبيراً من المسيحيين الإنجيليين أصحاب النفوذ القوي في السياسة الداخلية الأمريكية.
الأثر الانتخابي لترامب والحزب الجمهوري لعب دوراً مهماً في قرار ترامب غير الشرعي باعتبار القدس “عاصمة أبدية لإسرائيل” أواخر العام 2017، وربما في كل تفاصيل “صفقة القرن” الأمريكية، التي توقف الحديث العلني عنها دون أن يتم طرح جميع تفاصيلها للجمهور. من حقنا اليوم أن نتساءل ما إذا كانت هذه الصفقة المشؤومة محاولة مواربة لتنفيذ نبوءات توراتية لأجل تحقيق مشروع “إسرائيل الكبرى”. سعي دونالد ترامب المحموم لتنفيذ خطط تصب في مصلحة هذا المشروع (وإن لم يكن صريحاً في ذكره دائماً) يقول إنه شخصياً يتبنى هذه الأيديولوجية الصهيونية التلمودية الدينية.
قد يقول البعض إن مشروع “إسرائيل الكبرى” يمتد من النيل إلى الفرات، وهذا ما تمنَّاه مؤخراً السفير الأمريكي في تل أبيب مايك هاكابي، بما يشمل كامل فلسطين التاريخية ولبنان والأردن، وأجزاء كبيرة من سورية ومصر والمملكة العربية السعودية والعراق والكويت، وبالتالي فإن إيران جغرافياً تقع خارج هذا الحلم التوسعي الكاذب.
لماذا الحرب عليها إذاً؟ للتوضيح سريعاً فقط: في بعض التفسيرات الدينية للكتاب المقدس، يتم ربط إيران الحديثة بما يسمى في النصوص القديمة بـ “فارس”. مثلاً، في سفر حزقيال (الإصحاحان 38 و39) يظهر تحالف تقوده شخصية تسمى جوج  يهاجم أرض “إسرائيل”. ووفق هذه القراءة فإن إيران تكون جزءاً من تحالف معادٍ لإسرائيل في نهاية الزمان، وهذا التحالف يُهزم في معركة كبرى بعد “تدخّل إلهي”، ويعتقد بعض المفسرين أن ذلك يمهّد لعصر ديني جديد. كذلك يربط بعض المسيحيين الإنجيليين هذه الأحداث بنبوءات سفر الرؤيا في العهد الجديد، التي تتحدث عن صراعات عالمية تنطلق من الشرق الأوسط تحديداً قبل عودة المسيح (معركة هرمجدون).
لكن من المفارقة في هذا السياق أن كثيراً من المسيحيين الإنجيليين يرون أن “تجميع اليهود في فلسطين” خطوة أساسية قبل أحداث “نهاية الزمان”، غير أن المعركة التي تُخاض اليوم تؤدي إلى العكس تماماً. هجرة غير مسبوقة إلى خارج فلسطين التاريخية، ورغبة بالهجرة تساور عدداً كبيراً من المستوطنين، تمنعهم عنها إجراءات قسرية من قبل حكومتهم اليمينية المتشددة.
أما في الداخل الأمريكي، فتبدو حركة الاحتجاج ضد الأيديولوجيا الدينية التي تحكم هذه الحرب متزايدة. يتحدث ناشطون على مواقع التواصل بصوت عالٍ مستغربين هذه الخلفية الدينية للحرب، ومستنكرين أن تسقط بلادهم في أحبال الفكر الصهيوني الإنجيلي. أصوات مهمة ومتزايدة، لكنها إلى اللحظة تبقى مجرد أصوات لا ترقى إلى أن تتحول إلى حركة منظمة أو مؤسساتية في وجه منظمات قائمة بذاتها تدعم الفكر الصهيوني وتروج له في الداخل الأمريكي.
بالعودة أيضاً إلى العدوان المستمر على إيران، ومع اليقين بأكذوبة “أرض الميعاد” وكل التلفيقات الدينية التي تمت صياغتها للتماشى مع المشروع الإمبريالي في المنطقة العربية، فإن من نافل القول إن مصالح عديدة تحكم هذه المعركة، أمريكياً وإسرائيلياً، لسنا في وارد سردها لأنها ليست خفية على أحد من القرَّاء، وتمتد من تكريس “إسرائيل” قوة إقليمية وحيدة في المنطقة، وصولاً إلى تمهيد الطريق الأمريكي نحو استهداف الصين وروسيا بأقل الخسائر الممكنة.
في الخلاصة، فإن الحرب “الدينية” التي تشنها واشنطن وتل أبيب لا تستهدف دولة بعينها، بل تستهدف كل من يخالف هذا الرأي، أيا كان انتماؤه الديني، مسلماً أو مسيحياً، أو يهودياً حقيقياً، وعليه فإن مواجهة هذه الحرب بأهدافها، سواء الأيديولوجية الدينية أم السياسية الاستعمارية، هو واجب على كل مؤمن بحق الشعوب في الحياة، وفي تقرير المصير، وبحق العالم أن يكون أفضل وأجمل وأكثر عدلاً وأماناً.

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب