أقلام واراءزوايا

النكبة تزداد عاماً آخر بقلم .. عمر حلمي الغول


اليوم تحل الذكرى الـ71 لنكبة الشعب الفلسطيني، والتي نجم عنها النقيضان، الأول تشريد وطرد الشعب صاحب الأرض والوطن الفلسطيني، والثاني إنشاء كيان مصطنع استعماري، هو إسرائيل الصهيونية على أنقاض الأول، ومصالحه، وتاريخه، وحضارته، ومستقبله. النقيضان الظالم والمظلوم، هما نتاج قرار قوى إمبريالية غاشمة، قررت، وأنتجت أداتها الصهيونية (الإخوان اليهود الصهاينة)، وهيأت لها مقومات الوجود، والتطور، والدعم غير المشروط بالمال والسلاح والإمكانيات السياسية والدبلوماسية والاقتصادية وغذت النزعات الدينية الدفينة والمعلنة، ومهدت الطريق والتربة لولادة الجسم الغريب تجسيدا لقرار مؤتمر هنري كامبل نبرمان 1905/ 1907، واتفاقية سايكس بيكو 1916، ووعد بلفور المشؤوم 1917. وفي ذات الوقت، أخذت قرار بإعدام الشخصية والهوية الوطنية الفلسطينية، ونزعها من جذورها، من تربتها، وإلقائها في غياهب التيه العربي والدولي، وشردت 950 الف فلسطيني عربي إلى المجهول.
لكن قرار الإعدام الغربي الرأسمالي لم يتمكن من فصل الرأس الفلسطيني عن جسد الأرض والوطن والهوية. ولم يتمكن الصهاينة، المستعمرون الجدد، رغم كل الدعم والإسناد الغربي الرأسمالي من تمرير روايتهم الزائفة والمفبركة والبالية، مع أنهم حطوا بدايات رحالهم على الأرض قبل أكثر من القرن، إلا انهم لم يتمكنوا من تعميم وتجذير مشروعهم الاستعماري، الذي تأصل بقيام قاعدته المادية، إسرائيل الاستعمارية، وموجات الهجرة المتلاحقة، والتي تتواصل حتى يوم الدنيا هذا، وسن القوانين، وإقامة اقتصاد دولة متقدم، ومحالاوت خلق ثقافة مشتركة جامعة لمجتمع المستعمرين، وبناء هياكل دولة معاصرة. لماذا؟ وما هي اسباب ذلك؟ هناك عدة عوامل، منها: أولا عدم التمكن من التصفية الكاملة للشعب الفلسطيني، كما فعل الأميركيون مع الهنود الحمر؛ ثانيا عدم التمكن من نفي الحضور والشخصية والهوية الفلسطينية عن الأرض، التي أقيم عليها المشروع الكولونيالي الاستعماري الإسرائيلي؛ ثالثا رفض ابناء الشعب الفلسطيني الاستسلام لمشيئة أصحاب المشروع الرأسمالي الغربي، ولا لأصحابهم، ومن لف لفهم من عرب وصهاينة وغيرهم؛ رابعا استعادة الفلسطيني زمام المبادرة بالدفاع عن هويته ومشروعه الوطني عبر البحث عن الذات من خلال مشاريع المقاومة المختلفة وعلى رأسها الكفاح المسلح؛ خامسا دعم وإسناد قوى حركة التحرر الوطني والقومي والأممي للنضال الوطني الفلسطيني، وللحقوق المشروعة له في أرض وطنه؛ سادسا وجود وصدور قرارات أممية عديدة تؤكد على حق الشعب الفلسطيني في أرض وطنه، بدءا من وعد بلفور نفسه، ثم قرار الانتداب البريطاني (بغض النظر عن الصيغ الملتبسة، التي تم فيها الحديث عن وجود الشعب الفلسطيني)، ثم الكتاب الأبيض للجنة بيل 1937، وقبلها الثورة الشعبية الكبرى 1936/ 1939، وبعدها قرار التقسيم 181، وقرار 194، وغيرها من القرارات، التي بلغت حتى الآن 726 قرارا من الجمعية العامة، و86 قرارا من مجلس الأمن الدولي؛ سابعا اتفاقية اوسلو على كل ما فيها من مثالب ونواقص وعيوب، حملت في طياتها تأكيدا للحقوق الفلسطينية في الأرض العربية الفلسطينية؛ ثامنا غباء وقصور واغتراب الاستعمار الإسرائيلي عن الواقع القائم، وعدم تمكنه من ان يكون جسما طبيعيا في المحيط العربي، وعدم تمكن حلفائه في المنطقة من حمله، وتعميمه، والتأصيل له وسط المنظومة الشعبية وحتى الرسمية العربية، حتى انه، كان ومازال يعتبر نفسه جزءا من المنظومة الأوروبية، وهو يعيش في قلب الشرق العربي، فلم يتمكن من تمثل دور قراصنة العم سام في ذبح الهنود الحمر، ولم يتمكن من ان يكون جسما طبيعيا، وبقي اسير برنامجه وبرنامج القائمين عليه من الغرب الرأسمالي، وكلاهما طاردان لأية عملية تأصيل، بغض النظر عن بؤس وهشاشة وانهيار الوضع الرسمي العربي، وإنقسام وتشرذم الساحة الفلسطينية، وإصدار “قانون القومية الأساس للدولة اليهودية”، وإعلان ترامب وفريقه الصهيوني عن صفقة القرن، كلها عوامل هدم للمشروع الصهيوني، رغم ما قد يبدو للمراقب من لمعان له في لحظة الأنهيار المعاشة.
النكبة الفلسطينية في عامها الـ71 تؤكد ان مستقبل المشروع الصهيوني آيل للسقوط والتلاشي، مع انه الآن وفق المعطيات التاريخية بلغ ذروته بالوصول إلى القمة. غير انها القمة المتأرجحة، واللامستقرة، والكاشفة عن إستعار جنون الغطرسة والعنصرية والفاشية، المتلازمة مع رؤى ترامبية دينية ودنيوية غبية وفاشلة، ومهزومة، رغم أن الصفقة مضى عام ونصف على الشروع بتطبيقها على الأرض، لإنها تتجاهل الحقائق الدامغة في الواقع للفلسطيني صاحب الأرض والتاريخ والهوية، والحق المشروع بالمقاومة بكل اشكالها، والمنسجم مع قرارات الشرعية الدولية، والمنادي والمتمسك بخيار السلام، رغم تنكر الإسرائيليين، وحلفائهم الأميركيين له. وهذا العامل، مع انه الضعيف، غير انه العامل الأهم في معادلة الصراع، ودونه تبقى كل المشاريع صفرا على الشمال.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق