ثقافة وادبزوايا

نجمة البحر” لإلياس خوري .. تعددت الغيتوهات والضحايا وتبقى البوصلة فلسطين


كتبت بديعة زيدان:حاول الروائي إلياس خوري في جديده “نجمة البحر” (أولاد الغيتو 2)، الصادرة أيضاً عن دار الآداب في بيروت، وعبر حكاية ماريك أديلمان، عضو “البوند” المشارك في تأسيس المنظمة اليهودية المقاتلة في غيتو وارسو، أن يحلينا إلى فكرتين أساسيتين ترافقان الصهيونية كحركة وربما كفكرة قبل ذلك، الأولى تتعلق برفض الآخر حتى لو كان الآخر يهودياً ومناضلاً من أجل يهوديته كما حدث مع أديلمان، الذي تم شطبه من الذاكرة الجمعية الصهيونية وبعدها الإسرائيلية، وتنكرت له، لرفضه المبدئي مغادرة بولندا والانضمام للعصابات التي تحتل فلسطين، والثانية هي أن هؤلاء الناجين من النازي بمحارقه، ومذابحه، وقتله متعدد الأشكال، أو عدداً منهم، باتوا هم من يمارسون القتل بأشكاله المختلفة ضد الفلسطينيين، وهنا تحولوا من ضحايا إلى سفاحين.
لكن خوري، وقع وأوقعنا، ولا أقول دون أن يدري، وهو الروائي القدير والعليم، في حالة تعاطف كبيرة مع ضحايا النازي، على مدار صفحات طوال، قبل أن يفقد بعضهم هذا التعاطف الكبير من القارئ حين يتحول الضحية إلى قاتل لضحايا جدد لا علاقة لهم بما حدث له من مآس، هو أو أسلافه .. قلت في نفسي: إذا كنت أنا التي عانى أجدادها من جرائم العصابات الصهيونية، وفقدوا أراضيهم ومنازلهم وحيواتهم بسبب هؤلاء، ولا زلت حتى اللحظة وأبنائي نعاني من جرائم الاحتلال والمستوطنين، تعاطفت مع قاتلي المفترض ذات صفحات، فكيف بمن لم تمسه هذه الشرور، أو لا يعيش ما نعانيه يومياً في فلسطين؟!
وتتناول الرواية حكاية الفتى آدم دون، والذي كان طفلاً ولد عام النكبة في رواية “اسمي آدم”، الجزء الأول من “أولاد الغيتو”، بحيث تتناول حقبة ستينيات القرن الماضي، انطلاقاً من هجرته وأمه منال من “غيتو اللد”، بعد مصادرة منزلها وأرضها الموروثة عن زوجها بذريعة “أملاك الغائبين”، فتزوجت من عبد الله الأشهل، الذي عاد من لبنان متسللاً بحثاً عن زوجته وابنتيه اللواتي اختفت آثارهن.
هاجر الثلاثة إلى حيفا، وبعد سبع سنوات، قرر هجر المنزل بسبب سوء معاملة زوج الأم .. وهناك تبدأ حكايات ذلك الفتى والتباس الهوية، ففي حديقة بنيامين ملجأه الأول احتضنه الجاسوس رباح لثلاثة أيام، قبل أن ينتحر بعد أن خذله من تعاون معهم ضد أبناء جلدته، حيث انتهى به الأمر “زبّالاً” في الحديقة .. كان دائماً ما يقول لآدم إن “الخيانة خانته”.
وبعد الحديقة يذهب آدم إلى كراج يملكه اليهودي البولندي غابرييل، والذي يصرّ على التعامل مع آدم كشقيقه لفرط الشبه بينهما، فيتكفل بتعليمه المدرسي وتوفير مسكن له، وهنا (في الكراج) يحتك بالعمّال العرب، وتدور العديد من الحكايات حولهم، وبينهم، فمنهم من صودرت أراضيهم، وتعرضوا للتعذيب على يد سلطات الاحتلال، حتى إن أحدهم فقد النطق جراء ذلك.
لكنه، وحين يبدأ في الانتظام بالدوام في المدرسة اليهودية، يتخفى هذا الفتى المهووس في القراءة والأدب والفكر العربي والمترجم، في عباءة الهوية اليهودية، وكذلك حين بدأ في دارسة الأدب العبري في الجامعة، هو الذي ادعى بأن أسرته ممن حالفهم الحظ بالنجاة من “هولوكوست وارسو”، حتى أن الأمر انطلى على أستاذه وزملائه، فتم ترشحيه وثلاث طالبات للمشاركة في وفد للطلاب اليهود إلى العاصمة البولندية، مع أنه نفسه عانى مأساة الاعتقال على يد الاحتلال بسبب “تينة والده”.
“روى أنه عندما اعتقل في المرة الأولى كان يتسلق أغصان شجرة تين في الحاكورة القريبة من البيت .. أمي قالت لي إن الحاكورة ملك أبي. تسلقت الشجرة، وبدأت ألتهم التين، ثم نزلت وجلبت سلة صغيرة لأن أمي كانت تحب أن تأكل التين مع خبز الطابون المغمس بالزعتر والزيت. وفجأة رأيت الشرطي الإسرائيلي يأمرني بالنزول. أخذ مني سلة التين وقادني إلى المخفر، وهناك سألني من حرّضني على السرقة. لم أفهم معنى كلمة حرّضني، لكنني أجبته بأنني لا أسرق، فهذه التينة لنا.. “لكم؟”، صرخ وأخذ حزاماً جلدياً وبدأ يضربني، وهو يقول لي إن الأراضي كلها هي ملك للدولة. كنت صغيراً كي أفهم معنى الكلمات، وكي أستوعب أن الأراضي والبيوت صارت في عداد أملاك الغائبين، وأنني أعتبر غائباً – حاضراً في القانون الإسرائيلي”.
ومن “مخيم اللد” إلى “مخيم وارسو” تتشابك الهويّات سواء على مستوى الفلسطينيين المتخفين كآدم، ونادية أو والدها الفلسطيني البولندي، أو على مستوى هوية الضحية ما بين يهودي تدل العديد من الجغرافيات أو غالبيتها في العاصمة البولندية على مآسيه، أو فلسطيني تنكر في ثوب يهودي فبات ضحية مركبة، واحدة مفترضة للنازي، وأخرى لضحية النازي.
“مسألة الانتحال هذه جاءت بلا تفكير كثير أو عناء كبير، فآدم لم يكن يطمح إلى أي دور … كان يعرف أن هذه الهوية الجديدة التي اتخذها لنفسه هي مجرد فضول، أو لنقل إنها فضول سببه التعب، ومبررها الوحيد هو اللعب. تعب آدم من الغيتو، ومن منال، ومن عبد الله الأشهل، وكان في قرارة نفسه يعرف أنه غريب حتى عن أمه”.
وفي “عتمة وراسو”، يعيش آدم وأستاذه اليهودي “ياكوب” الذي رافقه من حيفا، يوميات لم تخطر لهما على بال، فـ”ياكوب” هذا أصلاً من مواليد برلين في العام 1930، وفي عمر التاسعة وجد نفسه وشقيقته في فلسطين كمهاجر يهودي، والتي تكبره بتسع سنوات، وانضمت إلى “الهاغاناه”، وتلاشت عن يومياته.
وبشكل سرّي يبحث “ياكوب” برفقة آدم عن أديلمان، ليعرف منه لماذا لم يترك وارسو متجهاً إلى إسرائيل بعد انقضاء الحرب العالمية الثانية، وهناك يبرز هذا “البطل اليهودي” بشكل واضح في الرواية، وتحت عنوان “بطولة اللابطولة”، ليكتشفا أنه طبيب جراح يعيش يومياته ما بين منزله والمستشفى حيث يعمل ومقارعة “الفودكا”، لكنهما، في الوقت ذاته، يعيدانه إلى زمن بعيد، فيبدأ بالقصّ والسرد والكشف المؤثر لفرط تفاصيله المؤلمة، ومنها حكاية موردخاي أنيلفيتش الذي انتهى به الأمر ليقتل صديقته وعشرات من اليهود رفاقه ومن ثم ينتحر كي لا يسقط في يد الألمان، وهنا اختفى 80% من المقاتلين، ليقود أديلمان البقية نحو الانسحاب من الغيتو، فلم يكن أمامهم سوى المرور لثمان وأربعين ساعة في أنابيب “المجاري”، واضطروا أن يشربوا من هذه المياه كي يبقوا على قيد الحياة .. ومع ذلك، أديلمان الذي لم تغادر رائحة هذه المياه أنفاسه رغم مرور عقود من الزمن، لا يدعي البطولة، بل ينسبها إلى من ماتوا بصمت، وكلاهما أي أديلمان وأنيلفيتش شخصيتان من الواقع، كان لهما حكاياتهما في انتفاضة “غيتو وارسو” العام 1943.
وورد الجواب الذي يبحث عنه “ياكوب”، بلهجة الاستهجان على لسان أديلمان “أهاجر! .. أنا أترك بلادي! .. وارسو هي مدينتي، فيها تعلمت البولندية، والييديش، والألمانية. فيها ذهبت إلى المدرسة، وتعلمت أن على المرء أن يعتني بالآخرين، وهنا أيضاً صفعت لأنني يهودي. أهاجر! .. هنا قتل ثلاثة ملايين يهودي، هنا أبيد أربعمئة ألف إنسان كانوا يقيمون بغيتو وراسو، ودفن بعضهم تحت أنقاض النيران التي أحرقت المكان. سأبقى هنا، وأموت هنا، لأن أحداً ما يجب أن يبقى إلى جانب جميع الذين اختفوا”.
وفي وارسو أيضاً، ولفرط تأثر زميلته في الجامعة إيزابيلا، الوحيدة التي كانت تعرف أصوله العربية، كونها سبق وأن عملت في دائرة القبول والتسجيل، فإنها تفتضح أمره أمام زملائه وأستاذه “ياكوب”، فتفرط مسبحة العلاقة بينهما، بل إن الأستاذ ينصح تلميذه الذي كان الأقرب إليه بالبحث عن تخصص آخر غير الأدب العبري لدراسته، ومع ذلك ينهي آدم دراسة الماجستير في الأدب العبري، لكنه يعمل في تدريس الأدب العربي الذي كان وظل شغوفاً به.
وفي مرحلة ما بعد العودة من وارسو، يعود خوري إلى عام النكبة، وما تلاه، ومعاناة الفلسطينيين المستمرة جراء ذلك الحدث التاريخي الجلل، عبر “حكاية الحكاية”، حيث يستعيد حكايات تشرد آدم ما بين بيع الفلافل، وصناعة “المناقيش”، وغيرها، كي يتمكن من إكمال دراسته، وكأن دراسة الأدب لديه اختلطت “برائحة الزيت المقلي”.
وعبر استعادة الحكايات، يغوص خوري في تفاصيل الألم الفلسطيني، وفي الحديث عن مناطق جغرافية مغتصبة كأم الزينات، وسبلان، وغيرهما، كما تحدث عن أصل الفلافل، وكيف سرقته إسرائيل كما سرقت الأرض، وغير ذلك من تفاصيل المأساة الفلسطينية المتواصلة منذ ما يزيد على سبعين عاماً.
وفي الوقت الذي لم يهاجر فيه أديلمان من بولندا، رغم رائحة الموت التي لا تزال تزكم أنفيه، على اعتبار أنه “بولندي”، فإن كثيراً من اليهود العرب، هاجروا بإرادتهم متنازلين عن عروبتهم وحيواتهم في بلدانهم الأصلية، أم رغماً عنهم، كحزقيل قصّاب، المعيد في الجامعة ويدرّس الشعر الجاهلي، والذي لا تغادره بغداد، والتي إن لم يعد يسكنها فهي لا تزال تسكنه، بل إنه يعتبر إسرائيل منفى غير قادر على الاندماج فيه، أو اعتباره وطناً، فهو غير قادر على التأقلم في المكوث، وليس قادراً على العودة إلى بلده، وكأنه أديلمان، الذي لم تغادره بلاده العراق، وإن غادرها قسراً، هو الذي كتب روايته الأولى بالعربية، ولم يتمكن من نشرها إلا بعد ترجمتها إلى العبرية .. يقول: أنا كنت عراقياً، واليوم صرت يهودياً عربياً.
وتطرق خوري في روايته، وعبر شخصية قصّاب، وروايته المعنونة بـ”السبي”، إلى معاناة اليهود العرب عقب هجرتهم إلى إسرائيل، حيث عوملوا بشكل مهين، ولا يزالون يشعرون بأنهم مواطنون من درجة عاشرة أو دون ذلك، فـ”السبي” هذه تحكي معاناتهم كيهود عرب منذ إجبارهم على مغادرة بلادهم وما رافق وصولهم وما تلاه .. “نحن لم نكن سبايا في العراق، قال حزقيل، لكننا نعيش اليوم السبي بالمقلوب، أي نسبى في أرض الميعاد. هذا هو موضوع روايتي”.
الحديث عن “نجمة البحر” يطول، فالتفاصيل كثيرة كما الحكايات، وهي مفتوحة النهايات بما يؤسس لجزء ثالث قادم من “أولاد الغيتو”، في إطار توثيق روائي عميق لخوري حول المأساة الفلسطينية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق