أقلام واراءزوايا

فلسطين هى الباقية.. بشهادة التاريخ بقلم :طلال سلمان


فجأة، ومن غير مقدمات تبرر “ترقية” المستر جاريد كوشنر من مرتبة صهر الرئيس الأمريكى دونالد ترامب إلى مرتبة نائب الرئيس ووزير خارجية الولايات المتحدة الأمريكية، ورجل المهمات الخاصة التى لا يُكلف بها الرئيس غيره، متجاوزا وزير الخارجية، بل الوزارة جميعا وأجهزة المخابرات الخارجية وما يماثلها.
ولقد أولى ترامب صهره العزيز كوشنر مهمة “ترتيب العلاقات” مع عرب الخليج.
على أن أخطر المهمات وأدقها تظل الترويج لـ”صفقة القرن” التى كان ترامب قد بشر بها باعتبارها الحل السحرى المفقود للصراع العربى الإسرائيلى بعنوان القضية الفلسطينية.. بعد حملة دعائية واسعة تولاها ترامب شخصيا عبر تصريحات وتغريدات كما فى بعض لقاءاته مع “الكبار” من ضيوفه العرب.
لم يعرف العالم، بمن فى ذلك العرب، والفلسطينيون منهم على وجه الخصوص، عن الصفقة المريبة إلا عنوانها.. وكان التصرف جارحا لكرامة العرب عموما وللفلسطينيين خصوصا الذين يرون فى فلسطين أرضا مقدسة لأمتهم جميعا، بمن فيهم من كان فيها من اليهود قبل “وعد بلفور” 1917 واتفاق سايكس ــ بيكو 1918… والأول تكرم به وزير خارجية بريطانيا العظمى، آنذاك، بمنح أرض فلسطين ليهود العالم لتكون دولتهم.. فى حين أن يهود فلسطين كانوا يعيشون فيها مع أهلهم العرب المسلمين والمسيحيين كأى شعب تتعدد هويات أبنائه الدينية.
ولقد اتخذ ذلك “الوعد” الذى كان بطله وزير خارجية بريطانيا العظمى آنذاك، اللورد بلفور، نموذجا لمن يعطى وهو لا يملك لمن لا يستحق… ثم اتخذ هذا الوعد “سندا” بملكية فلسطين ليهود العالم أجمع، شرقا وغربا..
***
وبين 1920 ( سايكس ــ بيكو) و1948 نظمت حملات دولية لترحيل اليهود من حيث كانوا يعيشون بأمان، فى أنحاء أوروبا والأمريكيتين، وحتى داخل البلاد العربية إلى فلسطين بوصفها “الوطن القومى ليهود العالم” تحقيقا لنبوءة المفكر الصهيونى هرتزل واستفادة من تواطؤ الاحتلال البريطانى لفلسطين والكيانات العربية فى المشرق العربى خاصة، وقد تقاسمتها بريطانيا وفرنسا.
وهكذا تم تحويل “متصرفية جبل لبنان” إلى كيان ثم دولة تحت الانتداب الفرنسى.. علما أن الغرب كان قد اقتطعها من السلطنة العثمانية بذريعة الاقتتال بين الدروز والمسحيين.. تاركا الأقضية الأربعة (أى جنوب لبنان وشماله والبقاع وبيروت) ولايات تابعة للسلطنة..
كذلك اخترع الغرب البريطانى إمارة شرقى الأردن، بعد اقتطاع أرضها من سوريا التى سوف تخضع مع لبنان (الجديد) للانتداب… فنصب عليها أحد أبناء الشريف حسين (الهاشمي) “مطلق الرصاصة الأولى” فى الحرب ضد السلطنة العثمانية، بينما نصبت بريطانيا فيصل الأول، الابن الثانى للشريف حسين، على عرش العراق..
هكذا صار عرب المشرق أشتاتا، خصوصا أن مصر الملكية، آنذاك، كانت خاضعة (مع السودان) للاستعمار البريطانى..
بهذا بات المسرح معدا لإقامة دولة إسرائيل بقوة الدعم العسكرى المفتوح، على أرض فلسطين، خصوصا وأن الانتداب البريطانى عليها قد أغمض عينيه عن قوافل المستوطنين الذين جىء بهم من مختلف أرجاء الأرض..
ومع نهاية الحرب العالمية الثانية كان اليهود الذين صدروا إلى فلسطين يتجاوزون المليون نسمة مجهزين بأحدث الأسلحة، وبمجندين سبق تدريبهم إما خلال الحرب أو بعدها مباشرة… وهكذا أمكنهم هزيمة شعب فلسطين وتلك الكتائب القليلة وسيئة التجهيز التى بعثت بها بعض الدول العربية، مصر أساسا، ومعها سوريا، إضافة إلى المتطوعين الذين لبوا نداء الجهاد من أجل فلسطين، ولم تكن لديها القدرة على مواجهة عصابات الهاغانا وشتيرن التى انتظمت فى جيش قوى وحديث يملك فائضا من الطائرات الحربية والدبابات وخبرات قتالية ( مستوردة) ممتازة..
***
نعود إلى أساس الموضوع: صفقة القرن.
ما يبدو جليا أن مشكلة “الصهر” تتجاوز لبنان وجبران باسيل لتضرب المستر كوشنر صهر الرئيس الأمريكى المغرد ليلا ونهارا بكل ما يخطر على باله من أخبار وحكايات وتخريفات ليصبح بها العالم: دونالد ترامب.
وعلى طريقة “عمه” أو بالفصحى “حموه” ترامب فقد باغت كوشنر العالم بترجمة أفكار ترامب وتمنياته هو ومعه كل الصهاينة فى العالم، داخل الكيان الإسرائيلى وخارجه على شكل مشروع إمبريالى لتعزيز إسرائيل وتعظيمها، مساحات وقدرات، ليس فقط على حساب أهلها الفلسطينيين فحسب، بل على حساب سوريا ( الجولان) والأردن( الأغوار) ولبنان (تلال شبعا وكفر شوبا) إلخ..
ولقد اختار كوشنر منبرا “عربيا” لإطلاق مبادرته، هو البحرين ليطرح المشروع الجديد لتصفية القضية الفلسطينية فإذا هى “صفقة القرن”.
والصفقة، بالمعنى الشائع، هى عملية بيع أو شراء غير متكافئة بين صاحب الأرض (الأعزل) والاحتلال المسلح حتى أسنانه.. والصفقة هنا، وفى ما يخص فلسطين، تتلخص بتصفية هذه القضية المقدسة وإسقاط الهوية الفلسطينية عن شعبها وإخراجها من أمته، وتجنيسه برشوة الدول التى تستضيف اللاجئين الفلسطينيين حتى لا يبقى للقضية وشعبها هوية أو أرض، ويتم تذويب الجميع بمحلول كوشنر، الذى يذوب القضايا المقدسة والأرض وأهلها.
قد يكون من الضرورى أن يذكر المفكرون والمخططون الصهاينة والقادة العاملون لحسابهم، أن مشروعات استعمارية شبيهة بمشروع القرن قد طرحت على العرب بعنوان فلسطين ففشلت، فبقى شعب فلسطين يناضل وبقى المخلصون من القادة المناضلين يقاتلون من أجل فلسطين، فضلا عن قتال المتطوعين، فرادى أو منتظمين فى “جيش الانقاذ” فى العام 1948.
وعشية تفجر مصر بثورة يوليو 1952 طرح الرئيس الأمريكى أيزنهاور مشروعه الذى حمل اسمه والذى كان يهدف إلى تصفية القضية المقدسة.. وبعدها طرحت واشنطن بالشراكة مع لندن مشروع حلف بغداد ففشل هو الآخر، بل كان بين نتائجه تفجر العراق بثورة 14يوليه 1958، بعد شهور قليلة من قيام أول دولة للوحدة العربية بين مصر وسوريا بقيادة جمال عبدالناصر، كرد عملى على “زرع” إسرائيل بالقوة فى الأرض العربية، والعمل على مواجهتها.
***
وعلى الرغم من تهاوى دولة الوحدة لأسباب كثيرة لا مجال لذكرها هنا، فإن حركة الثورة، العربية قد حققت إنجازا تاريخيا بانتصار ثوار الجزائر على الاستعمار الاستيطانى الفرنسى، فى 20 سبتمبر 1962، وقامت جمهورية الجزائر الديمقراطية بعدما استعاد أهلها هويتهم العربية..
فى الفترة ذاتها قام الجيش اليمنى بخلع السلطان أحمد ابن “الخليفة” يحى حميد الدين..
وتوالت الانتفاضات فى لبنان 1958 وسوريا (الوحدة 1958) والعراق (1958) ثم فى مارس 1963، وصولا إلى 14 يوليه 1969.
وفى أواخر الخمسينيات وبداية الستينيات تفجرت الأرض الفلسطينية بالثورة وتحولت المنظمات والأحزاب السياسية إلى تنظيمات مسلحة (فتح، بقيادة ياسر عرفات) و”الجبهة الشعبية” المتحدرة من حركة القوميين العرب، بقيادة الدكتور جورج حبش.. قبل أن تنشق عنها “القيادة العامة”ــ أحمد جبريل، و”الجبهة الديمقراطية”ــ نايف حواتمه.. إلخ..
لن تهود فلسطين، ولن يتصهين الشعب العربى.
قد يخون البعض هويتهم وقضيتهم المقدسة.. لكن فلسطين تبقى أكبر منهم ومن ترامب وصهره اليهودى بأكثر من إسرائيلية نتنياهو.
فلسطين أكبر وأقدس وأجل من بعض الحكام العرب.. وستبقى ويذهبون..

طلال سلمان كاتب صحفي عربي بارز، مؤسس ورئيس تحرير جريدة السفير اللبنانية، كما أنه عضو في مجلس نقابة الصحافة اللبنانية – المدونة: www.talalsalman.com

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق