أقلام واراءزوايا

خيارات غزة… بين المستحيل والممكن بقلم: الدكتور ناجي صادق شرّاب


عندما نبحث عن أي من الخيارات تنتظر غزة، فلا بد من التطرق للمعطيات السكانية والجغرافية والسياسية التي تلعب دورا والتي تحدد الخيارات المتوقعة والممكنة، والخيارات المستبعدة والمستحيلة.

هذه المحددات هي التي ترادف بيئة الخيارات،فالخيارات ليست مجرد تصورات وأحلام وأمنيات ومراهنات، وإن كانت تدخل هذه المكونات في بلورتها، لكن في حالة غزة الخيارات تفرض نفسها كما الضفة الغربية التي سيأتى الحديث عنها في مقالة قادمة، غزة تحكم نفسها بنفسها. فأولا المحدد السكاني يلعب دورا حاسما في اي خيارات متوقعة ،الأكثر كثافة سكانيا بعدد يتجاوز المليوني نسمة، والعدد في تزايد ملحوظ. وهذا الرقم له دلالات سياسية وإقتصادية وإجتماعية أكتفي منها بأنه يعني زيادة سلم الإحتياجات بشكل كبير، وبالمقابل مع سلم قدرة وأداء حكومة متراجع فهذا يعني تعميق الفجوة بين القدرة والإستجابة والنتيجة الحتمية الإنفجار الداخلي، الآن او في المنظور القريب.

ثانيا هذا العدد بخصائصه العمرية والإجتماعية، وإرتفاع نسب الفقر والبطالة يزيد من حالة الإحباط واليأس وتراجع منظومة القيم التي توفر الأساس الآمن للسلم الأهلي، وهذا يدفع في إتجاه الإنفجار الحتمى. والمحدد الثاني المحدد المكاني والجغرافي، وغزة أقرب إلى نموذج اللعنة الجغرافية بحكم موقعها الطرفي من فلسطين، وفصلها عن بقية الآراضي الفلسطينية بحاجز بشرى وجغرافى تمثله إسرائيل، فغزة تعانى من صغر المساحة ، فهي بكل المعايير الجغرافية تشكل مساحة صغيره جدا تقارب ال340 كيلو مترا مربعا، أي حوالى واحد بالمائة من مساحة فلسطين، وهى مساحة ثابته غير قابلة للزيادة، ولا تستجيب للزيادة السكانية المتزايده بشكل كبير، وهو ما يضعنا أمام نموذج الإنفجار السكانى.

ولا يتوقف الأمر على صغر المساحة فقط، بل تفتقر غزة للمقومات الجيوسياسية والإستراتيجية ، فهي منطقة مغلقة تتحكم إسرائيل في معظم منافذها البرية والبحرية والجوية ، والمنفذ العربى الوحيد الذي يربطها بالعمق الإستراتيجى والحاضن مصر وهو معبر رفح.

وصغر المساحة يسهل عملية التحكم والسيطرة عليها، ومن ناحية أخرى يزيد من إحتمالات الإنفجار السكاني الذى ستكون إسرائيل ومصر ألأقرب لتدعياته.والمحدد الثالث الذى يتحكم في خيارات غزه المحدد السياسى ، والمتمثل بحكم وسيطرة حركة حماس على القطاع، ونجاحها في بناء بنية متكامله لها قربتها كثيرا من بنية الدولة او الكينونة السياسية المستقلة ، وحماس تحكمها رؤى وتصورات ومرجعيات سياسية وعقيدية لا يمكن تجاهلها، فمن ناحية تحكمها حالة العداء مع إسرائيل والتي تحول دون تصور مفاوضات سياسية أو اعتراف متبادل، وما هو قائم اعتراف مصالح متبادلة، ومن ناحية إرتباطها من قريب او بعيد بحركة الأخوان وهو ما يعني الحرص على الحفاظ على هذه النواة القوية التي تضمن إستمرارية الحركة ، ولكنها في الوقت ذاته قد تشكل عامل عدم ثقة متبادلة مع مصرـ بحكم العلاقة العدائية بين مصر وحركة الإخوان وإعتبارها حركة إرهابية.

هذه المحددات بالإضافة إلى تواجد العديد من القوى والفصائل الفلسطينية والحركات ذت الطابع المتشدد كلها تفرض صورة الخيارات المتاحة والممكنة لغزة مسقبلا. وهذه الخيارات تتراوح بين الخيارات الممكنة والمستحيلة وبين الخيارات الواقعية والخيارات المثالية الغيبية.

وهذه الخيارات تقف ما بين خيار المصالحة الفلسطينية الشاملة ، مما تعنى أولا إستعادة سيطرة السلطة على كامل بنية غزه، ومن هذا المنظور المصالحة غير مقبولة ، والمصالحة الممكنة التى تسمح وتتيح الحفاظ على بنية حركة حماس، وكيفية إحتواء الحركات القائمه وهذه هي الإشكالية الكبرى ، ومن ناحىة أخرى تتضمن التوافق على خيار الانتخابات وإعادة بناء منظومة سياسية فلسطينية جديده تأخذ في الإعتبار المعطيات السياسية القائمه ومن أبرزها حركة حماس وبقية الفواعل الأخرى ، وهو ما يعنى إعادة بناء النظام السياسى الفلسطيني كلية وبما قد لا يضمن العوده لسيطرة وأحادية حركة فتح، هذه الإشكاليات تجعل خيار المصالحة صعبا وإن كان يشكل الخيار الوحيد للخروج من أزمة الخيارات ألأخرى أو البديلة. ويبقى ان خيار المصالحة هو الخيار الوحيد لتحقيق أو عودة الفطرة السليمة لغزه.فخيار المصالحة هو الخيار الحتمى وهو خيار البقاء ويرتبط بخيار عدم تحقق المصالحة خيار فرض مزيد من الضغوطات والعقوبات من قبل السلطه التي لن تقبل بان تذهب حماس بعيدا عن الكل الفلسطيني ، وهو ما يعنى الحيلولة دون قيام الدولة الفلسطينية. والخيار الثانى مع إستبعاد خيار المصالحة خيار التهدئة مع إسرائيل ، وهو اقرب الى خيار التسكين او العلاج المؤقت الذى لا يعالج جذور مشكلات غزه وبقائها، خيار تحكمه عوامل الزمن والإنتظار لما هو آت بعد مرحلة الرئيس.ويفقتر هذا الخيار لمقومات الديمومة والضمانات ولذك هو بكل المعايير خيارا مؤقتا قابل للإنهيار السريع. والخيار الثالث خيار الحرب الحتمي بين إسرائيل وغزة، وهذا ما أكدته ثلاثة حروب.

وحيث ان غزة تقع في قلب الدائرة ألأولى لأمن إسرائيل ولن تسمح بوجود اى شكل وأى درجة من درجات التهديد، فاي تطور في قدرات المقاومة يقرب جدا من هذا الخيار.هذه هي الخيارات الأكثر إحتمالا لمستقبل غزة.

ويبقى السؤال ايهما أقرب ؟ في ضوء المحددات الإقليمية والدولية والمحددات الإسرائيلية، والرغبة في التخلص من القضية الفلسطينية، وعدم قيام الدولة الفلسطينية،؟ هنا تزداد إحتمالات التوجه بغزة والدفع بها نحو الإنفصال وبناء الدويلة الفلسطينية، وهذا الهدف يتوافق وما تريده إسرائيل وتسوية صفقة القرن، والمصلحة في نواة مستقله بحماس وحركة الأخوان، نواة لدولة إسلامية، يمكن ان تتوسع مستقبلا.

*استاذ علوم سياسية – غزة

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق