أقلام واراءزوايا

انتخابات الكنيست الـ22… هل من جديد؟ بقلم: النائب الدكتور إمطانس شحادة

لم تحمل الانتخابات الإسرائيلية منذ العام 2009 أي جديدٍ نوعيٍ قادرٍ أن يخلق واقعًا سياسيًا، أو اقتصاديًا أو اجتماعيًا مختلفا. نتائج الانتخابات، التي كانت متوقعة سلفًا، مكّنت تيار اليمين الجديد – الشعبوي الفاشي من زيادة حصته في البرلمان، ورفع منسوب سيطرته على مواقع صناعة القرار ومفاصل بلورة الإجماع السياسي في إسرائيل.

سعى تيار اليمين الجديد إلى فرض معادلات جديدة في ما يتعلق بالاحتلال للأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، ورفض أي تسوية وإقامة دولة فلسطينية، وعمل على تعزيز الاستيطان والسيطرة على مناطق “ج” وضم القدس الشرقية بشكل نهائي؛ وداخليًا عمل على تعميق معاني يهودية الدولة؛ واستخدم سياسات خارجية صقورية ترتكز إلى المصالح العسكرية والأمنية؛ بالتوازي، عمّق السياسية الاقتصادية النيو – ليبرالية واقترب من نموذج المحافظين الجدد الأميركي. ناهيك عن أن هذا التيار بدأ بمحاولات جدية، ناجحة إلى حد ما، للسيطرة على وسائل الإعلام والجهاز القضائي، والعمل على تغيير الثقافة السياسية والقناعات لدى المجتمع الإسرائيلي.

منذ العام 2009، نجح اليمين الجديد في بلورة ما يمكن وصفه بإجماع إسرائيلي جديد في المحور السياسي الداخلي ومكانة المواطنين العرب، أي طبيعة وهوية دولة إسرائيل، كما انعكس مؤخرًا في “قانون القومية”، وفي محور الاحتلال – رفض أي تسوية سياسية وإقامة دولة فلسطينية؛ والمحور الاقتصادي – هيمنة نموذج الاقتصاد الليبرالي.

هذا الإجماع انعكس، أيضًا، في محاولات أحزاب “اللا – يمين” (يمين الوسط واليسار الصهيوني) تعديل خطاباها وبرامجها السياسية الانتخابية، في محاولة للنيل من حصة الليكود وأحزاب اليمين الجديد والعودة إلى السلطة، إلا أنّ كافة هذه المحاولات فشلت في خلق اصطفافات سياسية وحزبية تهدّد هيمنة معسكر اليمين الجديد بقيادة بنيامين نتنياهو.

هذا ما كان حتى انتخابات الكنيست الـ21 في نيسان الماضي.

وحتى انتخابات نيسان الماضي، ظهر نتنياهو كأنه هو سلطان إسرائيل الجديدة. شعر اليمين الجديد بارتياح وهيمنة، واعتقد نتنياهو أن بمقدوره فعل ما يشاء. لم يكتفِ نتنياهو بما حققه تيار اليمين الجديد من بلورة ثقافة سياسية مهيمنة، بل تخطى هذه الحدود بكثير، بحيث تبنى طرح التيار اليميني المتدين الاستيطاني بشكل مطلق؛ وباتت إسرائيل أكثر تدينا وازداد تأثير الأحزاب الدينية المتزمتة (الحريدية) والصهيونية الدينية، على السياسات العامة وتقييد حريات الأفراد في الحيز العام؛ وانتهاج سياسات قد تؤدّي، في نهاية المطاف، إلى ضم الضفة الغربية إلى إسرائيل، الأمر الذي قد يخلق خللا في الميزان الديموغرافي واتباع سياسات أبرتهايد معلنة؛ بالإضافة إلى زيادة منسوب العداء العلني للجهاز القضائي ومحاولات إضعافه، بل فرض سياسة محافظة على قضاة المحكمة العليا؛ وتقييد أدوات الضبط والتوازن بين مؤسسات الحكم، ما يعني فرض قيودٍ على الأدوات الديموقراطية في المجتمع الإسرائيلي نفسه، بعد أن كانت هذه السياسات موجهةً، بالأساس، تجاه المواطنين العرب في إسرائيل وفي المناطق الفلسطينية المحتلة عام 1967؛ وأخيرًا، محاولة نتنياهو الاستفادة من السلطة والسعي إلى سن قوانين تحميه من المحاكمة بتهم فساد ورشاوى.

بهذا المعنى، تمادى نتنياهو كثيرًا وتخطى خطوطًا حمراء كان المجتمع الإسرائيلي والنخب السياسية المعدودة على اليمين التقليدي، على استعداد أن يقبلوا بها ما دامت تستخدم لصالح الإجماع الصهيوني وليس ضده.

اليمين التقليدي، المتمثل بالأساس في حزب “كاحول لافان”، وبدرجة أقل بـ”يسرائيل بيتينو”، لا يخشى زيادة التطرف والكراهية والعداء للعرب، ويتقبل السياسات الاقتصادية الليبرالية ويؤيدها، ولا يهاب استمرار الاحتلال أو السيطرة على الشعب الفلسطيني بأدوات متعددة، لكنه يخشى أن تُحدث سياسات نتنياهو خللا جديًا في التوازن بين سلطات الحكم وضرب الجهاز القضائي، ويرفض سيطرة الدين على الحيز العام، ويخشى أن تتضرر صورة إسرائيل في الخارج، وأن يتحول نتنياهو إلى سلطان يتحكم في السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية وأجهزة الإعلام.

هنا، أدركت النخب والأحزاب غير المحسوبة على اليمين الجديد المتطرف بشكل واضح، بأن نتنياهو قد يشكل خطرًا على مصالحها ومشاريعها، بل أدركت، كذلك، أن حكم اليمين قد يكون في خطر نتيجة استبداد نتنياهو وسياساته. لذلك رأت في إعادة الانتخابات فرصة سانحة للوصول إلى الحكم واستبدال نتنياهو. أي أن اليمين التقليدي على قناعة بأن الحفاظ على الحكم يتطلب منه الفوز على نتنياهو والإطاحة به. هذا أهم دافع لإعادة تنظيم صفوف الأحزاب وتشكيل التحالفات الجديدة في الانتخابات الحالية، بعد أن فشلت قبل أربعة أشهر. ومن هذه التحالفات: تحالف “كاحول لافان” المكون من ثلاثة أحزاب، حزب “العمل” الذي تحالف مع حزب “غيشر”، بل وحتى تحالف إيهود باراك مع حزب “ميرتس”.

إذًا، الجديد في الانتخابات الحالية أنها قد تنتج تحولا ما في الحالة السياسية والمنظومة الحزبية في إسرائيل، لأول مرة منذ عقد أو أكثر، وأن اليمين التقليدي يحاول العودة إلى السلطة خشية من سياسات اليمين الجديد الشعبوي الفاشي بقيادة نتنياهو، الذي بات يشكل تهديدا على مشروع اليمين ذاته. هذا الواقع ينتج فرصة للأحزاب والمجتمع العربي للقيام بدور مؤثر في الانتخابات القادمة.

بالنسبة لنا، أي الأحزاب والمواطنين العرب، لن نذرف الدموع في حال خسر نتنياهو، ولن نحتفل في حال فاز “كاحول لافان”. ما يهمنا هنا ألا نقع في مطب الخيار بين السيّئ والأسوأ. يجب أن تتحول انتخابات أيلول/ سبتمبر 2019 إلى مفصلٍ هامٍ في التصرف والأداء السياسييّن بشكل يجعلنا أكثر تأثيرًا وحضورًا، وفرصة لإعادة تعريف معاني العمل البرلماني المنظم ونجاعته، وتوضيح معاني التمثيل الجماعي لمجتمع مضطهد ومواجهة سياسات عدائية وعنصرية؛ وفي تعزيز العمل الجماعي المشترك على أسس سياسية وبرنامج عمل برلماني واضح.

يهمنا أن تتحول الأحزاب العربية إلى لاعب فاعل وهام في المشهد السياسي والحزبي لنحمي مصالح المجتمع العربي، بغض النظر من سيكون الحزب الحاكم.

همنا الأساسي أن تحمل الانتخابات جديدًا نوعيًا في مكانتنا وأدائنا، كأحزاب ومواطنين. وهذه الأهداف ليست بعيدة المنال.

عن “عرب ٤٨”

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق