الرئيسيةالاخبارأوامر الاعتقال من محكمة الجنايات على الطريق

أوامر الاعتقال من محكمة الجنايات على الطريق

بقلم: إيهود أولمر /تكل يوم تقريبا، أنا أشاهد مقابلة في التلفزيون مع أبناء عائلة لقتلى يرتدون القبعات المنسوجة. صحيح، “من يرتدون القبعات المنسوجة” هو الوصف الدقيق جدا لهم. ليسوا مستوطنين أو مسيحانيين أو من مؤيدي الضم. أبطال. لا توجد مجموعة في السكان تظهر التصميم والتضحية والتأييد والشجاعة والاستعداد للانقضاض اكثر منهم. ويوجد مثلهم علمانيون من أبناء الكيبوتسات وحضريون من تل أبيب ونتانيا وهرتسيليا وحيفا وبئر السبع ومدن أخرى، وأبناء ضواحٍ من “كريات شمونة” وحتى إيلات، لكن اكثر منهم لا يوجد. عدد القتلى ممن يرتدون القبعات المنسوجة يتجاوز بشكل كبير عددهم النسبي في السكان. لا يمكن تجاهل هذه الحقيقة. ومحظور طمسها أو التقليل من أهميتها. الجيش الإسرائيلي حارب بشجاعة وبطولة وتضحية مثيرة للإعجاب، ضمن أمور أخرى، بسبب إسهام هؤلاء المقاتلين وأمثالهم. عندما نتحدث عن “معا” وعن “الوحدة الوطنية” و”التضامن” فإن كل هذه الأمور توجد لديهم، في ميدان المعركة الوحدة موجودة وهي تعتبر أمرا داعما.
لكن عندما اسمع بين حين وآخر أبناء عائلات هؤلاء القتلى، بعضهم وليس جميعهم، فإن قلبي يتفطر ومشاعر الوحدة أيضا تتحطم. كثيرون منهم لا يريدون صفقة التبادل. أبناؤهم في الأسر وكل يوم يمكن أن يدفعوا حياتهم ثمنا لذلك. مصيرهم غير معروف وسلامتهم العقلية وحصانتهم النفسية تقف في الاختبار في ظروف قاسية، لكنهم يعتقدون أن الحاجة إلى النصر المطلق وتدمير “حماس” وتدمير غزة، من خلال الموت المؤكد لكثير من المخطوفين، وبالضرورة موت فلسطينيين ليس لهم علاقة بإرهاب “حماس”، وربما أيضا هم ضحاياه، تقف على رأس سلم الأولويات. مع هذه المقاربة أنا لا أشعر بالوحدة.
لا أحد منهم يقول ذلك بصراحة. لكن يتولد لدي الانطباع بأن أبناء الجمهور المؤمن والاستيطاني الذي يسعى إلى توطين غزة وجنوب لبنان والذي يمكن أن يستوعب خطر قتل الأبناء وهم يصممون بشكل مثير للإعجاب، لكنه أيضا مثير للقشعريرة، على استمرار القتال والنصر المطلق، لا يوجد ولن تكون لديهم أي صعوبة في تفهم إحراق قرى فلسطينية وممتلكات فلسطينيين أبرياء.
كثيرون منهم يبررون استمرار الحرب في غزة ويطلبون توسيع القتال في الشمال كي يتمكنوا من مواصلة عملية التدمير والهدم في الضفة الغربية. كل ذلك في الطريق إلى تجسيد الحلم الكبير الذي يتمثل في تحرير ارض البلاد وطرد الفلسطينيين قبل ضم كل المناطق وجعل اسرائيل دولة “أبرتهايد”، منبوذة ويقاطعها كل العالم.
هذا هو حلم آلاف المستوطنين، الشباب الذين يسمون شبيبة التلال وغيرهم كثيرون يؤيدونهم ويغطون عليهم ويخفونهم. كثير من الزعماء المحليين في “يهودا والسامرة” يدفعون ضريبة كلامية ويظهرون الورع. هم ينفون البيانات التي تنشرها وسائل الإعلام التي تجري تحقيقات موثوقة (رونين بيرغمان وطاقم “نيويورك تايمز”) ومؤسسات الأمم المتحدة ووزارة الخارجية الأميركية ومجلس الأمن القومي الأميركي. “ليس مثلما يصرخون”، يقولون. “هذا مبالغ فيه”، “لا يوجد أي أساس لهذه الاتهامات”.
يوجد أساس، وهو يستند إلى أقوال قائد المنطقة الوسطى التارك يهودا فوكس، المقاتل الشجاع والقائد الذي يثير الإعجاب، عندما يتحدث بصراحة وانفتاح عما شاهده في المناطق المحتلة على أيدينا. هو لا يهذي ولا يخترع أي شيء. هو شاهد، جنوده شاهدوا، وهذا معروف في كل التقارير عن المستوطنين، ليس جميعهم وربما حتى ليس معظمهم ولكن العدد الكبير جدا، بأنهم يهاجمون ويسلبون ويدمرون ويخربون ويحرقون ويقتلون أبرياء وأيضا يهاجمون جنود الجيش الإسرائيلي غير المستعدين للتعاون معهم في جرائمهم.
على الأغلب، يحضر أعمال الشغب في هذه الأماكن مقاتلون من حرس الحدود. أنا اعرف الكثير من قادتهم في الماضي وفي الحاضر. هم من الأكثر شجاعة وتصميما وجرأة من بين جنود الجيش الإسرائيلي. لكن لا يمكن طمس حقيقة أن الكثيرين منهم يغضون النظر، واحيانا يغمضون عينا واحدة واحيانا الاثنتين عندما تحدث بجانبهم أعمال إجرامية لمشاغبين يهود، كم هو عدد المشاغبين من بينهم الذين تم اعتقالهم، كم هو عدد الذين تمت محاكمتهم، كم هو عدد من تمت محاكمتهم على أفعالهم؟ عدد قليل. من شبه المؤكد أنه اقل من عدد المتظاهرين الذين تم رميهم على الأرض وتم ضربهم وإهانتهم على يد رجال شرطة بن غفير.
كل ذلك ما كان يمكن أن يحدث بدون الإلهام والدعم والتأييد لهم من قبل الجهات العليا في الدولة. في المكان الأول الوزير إيتمار بن غفير، وزير تك توك، الذي يسيطر على الحكومة كأزعر عنيف، ومعه بتسلئيل سموتريتش، وزير شؤون المناطق في وزارة الدفاع. الاثنان يؤيدان توطين القطاع وجنوب لبنان بالمستوطنين اليهود. في المستقبل القريب أحد حكماء الشريعة اليهودية سيعثر في الكتب المقدسة القديمة على آية أو آيتين تثبت بأن جنوب لبنان هو من الأزل جزء من الوطن المقدس والتاريخي لنا؛ من هنا وحتى حركة مستوطنين جماهيرية برئاسة دانييلا فايس، فإن المسافة قصيرة.
من اجل هذا الهدف الخيالي فإنهم يدفعون قدما بحرب شاملة في الشمال، التي هي زائدة ولا مبرر لها. بدلا من ذلك يجب التوصل إلى اتفاق مع حكومة لبنان والموافقة على تعديل معين على الحدود، لا يمس أي ثروة تاريخية لليهود، ولا يوجد فيه أي خطر أمني على اسرائيل، والتوصل إلى انسحاب قوات “حزب الله” بعشرات الكيلومترات عن الحدود، حتى نهر الليطاني، كما نفذنا ذلك بالفعل بعد حرب لبنان الثانية. الأساس هو أنه يجب إعادة سكان الشمال إلى بيوتهم وإعمار بلداتهم. هذه الحكومة تريد حربا في الشمال من اجل الدفع قدما بالحلم الكبير – حرب الجميع ضد الجميع، الهدم المتبادل، طرد الفلسطينيين والعرب وضم المناطق لدولة اسرائيل.
مع الأخذ في الحسبان كل هذه الأمور، أنا احذر رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو وأقول له، إنه يقترب اليوم الذي فيه سيتم إصدار أوامر اعتقال ضدك بسبب الجرائم التي يتم تنفيذها كل يوم في مناطق “يهودا والسامرة” على يد دولة اسرائيل بدعم من الحكومة، وغض النظر المتعمد من ناحيتك. عن الأحداث في غزة يمكننا الدفاع، لأنه يمكن الادعاء بأنها ليست نتيجة سياسة أو تعليمات أو نية لدولة اسرائيل. في أسوأ الحالات معروف للجميع أنك لا تدير وبحق أو تقود. أنت في نهاية الأمر غير مسؤول عن أي شيء.
لكن هذه الادعاءات لن تساعدك فيما يحدث في “يهودا والسامرة”. هنا يتم كل يوم ارتكاب الجرائم، ليس على يد الجنود أو ضد الجنود، بل على يد مشاغبين من مواطني اسرائيل، الذين يكرهون العرب، بنية واضحة لطردهم من بيوتهم وقراهم التي عاشوا فيها طوال حياتهم. كرئيس حكومة أنت تعرف عن كل هذه الأحداث، وإذا قمت هنا أيضا باختيار التجاهل، فأنت لا يمكنك نفي أنك سمعت تحذيرات قائد المنطقة الوسطى وتحذيرات قادة آخرين في الجيش. أنا تحدثت مع البعض منهم، وهم يخجلون من أن هذه الأمور تحدث في مناطق توجد تحت سيطرتنا.
عندما يتم توجيه هذه الاتهامات لك، يا رئيس الحكومة، فإنه لن يتم إيجاد أي شخص لديه ضمير، عندنا أو في الساحة الدولية المتعاطفة معنا، يمكنه الدفاع عنك.
أنا احذر أيضا وزير الدفاع، يوآف غالانت، بأنه سيكون من الذين سيتسلمون أوامر الاعتقال. فهو المسؤول عن الأمن، وهو يمكنه العمل والنضال ضد سياسة رئيس الحكومة وسياسة سموتريتش الفاشلة، المسؤول في وزارة الدفاع عن المناطق. غالانت يفضل الإدمان على استمرار الحرب في غزة والتحذيرات والتهديدات لـ”حزب الله”، ويغمض عينيه عن رؤية ما يحدث في المناطق التي هو مسؤول عنها.
أنا احذر بن غفير، وزير التهديد والتحريض وتشجيع شبيبة التلال، بأن أوامر الاعتقال لن تقفز عنه. في الحقيقة، إزاء التحريض والبلطجة التي تستخدمها ضد قادة الجيش ورئيس الأركان على رأسهم، رئيس “الشاباك” ومقاتلي “الموساد”. كان من الجدير إصدار أوامر اعتقال ضدك من قبل المستشارة القانونية في اسرائيل، لكن حتى لو أنها لم تفعل ذلك فإن أوامر الاعتقال ستصل من محكمة الجنايات الدولية إزاء المسؤولية الشخصية لك، والتي حتى تتفاخر بها.
أنا احذر سموتريتش الذي يعمل على إطالة الحرب ووقف المفاوضات لعقد صفقة التبادل للمخطوفين، والذي يشجع الاستيطان في قطاع غزة ويعطي الإلهام لشبيبة التلال ويؤيد توطين اليهود في جنوب لبنان ويؤيد الحرب الشاملة في الشمال، التي نتائجها المتوقعة ستكون التدمير وموت آلاف المواطنين في الطرفين. أيضا ضدك سيتم إصدار أوامر اعتقال.
أنا احذر قادة الشرطة وحرس الحدود والجيش. أنتم لن تتمكنوا من التملص من المسؤولية عن الجرائم التي ترتكب ضد الفلسطينيين في المناطق. أوامر اعتقال ستصدر أيضا ضدكم، ولن يكون لديكم أي رد حقيقي.
أوامر الاعتقال في الواقع ستصدر ضد رئيس الحكومة، زعماء، وزراء وقادة، بشكل شخصي، لكن من ستمثل للمحاكمة في نهاية المطاف هي دولة اسرائيل. كل ذلك في الوقت الذي فيه دولة اسرائيل تريد وقف القتال وإعادة جميع المخطوفين والانسحاب من قطاع غزة وإدخال قوة دولية، عربية أو أوروبية، التي ستحمي إنجازات الحرب وتمنع ترميم وعودة “حماس” إلى قيادة القطاع. والتي تريد أيضا إجراء المفاوضات مع الفلسطينيين حول اتفاق سلام، وإقامة دولة فلسطينية منزوعة السلاح كجزء من اتفاق إقليمي سيؤدي إلى خلق محور ثابت، قوي وموثوق، ستكون اسرائيل وفلسطين ومصر والأردن والبحرين ودولة الإمارات والسعودية والولايات المتحدة هي الأساس له والعمود الفقري للأمن الإقليمي ضد ايران.
أنا احذر من أنه إذا واصلنا التسليم بالجرائم ضد الفلسطينيين في “يهودا والسامرة” فإنه سيتم فرض عقوبات خطيرة ومؤلمة ضد اسرائيل، وحتى الدفاع الجيد لن يساعدنا في هذه الحالة.

عن “هآرتس”

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب