الدروس والعبر والنتائج للعدوان الإسرائيلي غير المسبوق على الفلسطينيين واللبنانيين والسوريين منذ ٧ أكتوبر ٢٠٢٣ وحتى الآن كثيرة ومتعددة. معظمها كارثي على العرب وقليل منها إيجابي.
من بين هذه النتائج أنه تأكد بما لا يدع مجالاً للشك أن العرب يحاربون فعلياً وعملياً وواقعياً أميركا وليس إسرائيل التي تظل في النهاية أداة في يد واشنطن.
إسرائيل دولة قوية جداً وتمكنت من فرض إرادتها إلى حد كبير على غالبية دول المنطقة. هي دمرت قطاع غزة وجنوب لبنان وقتلت العديد من قادة المقاومة الفلسطينية واللبنانية وساهمت بشكل كبير في إسقاط نظام بشار الأسد واحتلت أرضاً جديدة في سورية ورفضت الانسحاب من أراض لبنانية في الجنوب، وتتهيأ الآن لضم الضفة وتسعى لتهجير كل الفلسطينيين خارج أرضهم.
هذه كلها مكاسب استراتيجية، لكنها لم تكن تتحقق لولا الدعم الأميركي لإسرائيل من أول معلومات الذكاء الاصطناعي نهاية بالمشاركة الفعلية في الحرب.
نتذكر أن الولايات المتحدة هي أول من اعترف بإسرائيل عام ١٩٤٨، ومنذ ذلك الوقت وهي تعلن أنها تضمن استمرار تفوق إسرائيل النوعي على الدول العربية مجتمعة، أو أقله دول المواجهة أو الطوق أو حاليا «الجوار».
في حرب أكتوبر ١٩٧٣ حققت القوات المسلحة المصرية انتصارات باهرة وعبرت قناة السويس، وحطمت أسطورة الجيش الذي لا يقهر، لكن أميركا تدخلت بكل قوتها وقدمت لإسرائيل معلومات مهمة عبر الأقمار الصناعية ثم الجسر الجوى العسكري الذي جنّب إسرائيل مواجهة هزيمة استراتيجية كاملة، ولولا الانتصار المصري العظيم ما قبلت إسرائيل الانسحاب من كامل سيناء.
في العدوان الأخير وحينما تفاجأت إسرائيل بعملية «طوفان الأقصى» في ٧ أكتوبر ٢٠٢٣، جاءها الرئيس الأميركي السابق جو بايدن على عجل للمرة الأولى التي يزور فيها رئيس أميركا إسرائيل، وهي في حالة حرب، وتقاطر بعده غالبية المسؤولين الأميركيين ليقولوا لها رسالة واضحة: «نحن معكم دائما»، بعدها تم إرسال حاملات الطائرات وأنظمة الدفاع الجوي وفتحت مخازن السلاح وخزائن المال على مصراعيها أمام إسرائيل.
ذات لحظة وحينما وصلت الإبادة الإسرائيلية إلى درجة لا يمكن تبريرها أوقف بايدن بعض أنواع الذخائر والقنابل، فصرخت إسرائيل بأنها لا يمكنها الاستمرار، وأن أسلحتها وذخائرها تقترب من النفاذ. ونتذكر أيضا أن أميركا هي التي تولت حماية إسرائيل من الصواريخ والمسيرات الإيرانية.
وكان ملفتاً للنظر أن غالبية أعضاء الكونغرس من جمهوريين وديمقراطيين استقبلوا رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو استقبال الفاتحين في تموز من العام الماضي، وعارضوا قرارات بايدن بتجميد إرسال بعض الأسلحة.
إدارة بايدن التي كان يشكو منها نتنياهو همساً أو علناً، هي التي قدمت لإسرائيل ما لم تقدمه أي إدارة أخرى، على كافة المستويات ومنها منع الإدانة الدبلوماسية في مجلس الأمن أو مواجهة المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية.
انهزم الديمقراطيون في انتخابات تشرين الثاني الماضي، وعاد دونالد ترامب مرة أخرى للبيت الأبيض، ليصدم الجميع، باقتراحه تهجير كل سكان قطاع غزة من أرضهم إلى مصر والأردن، وبناء «ريفييرا جديدة في الشرق الأوسط».
وحتى إذا تم إسقاط مشروعه، فإن هدفه الأساسي هو ضم الضفة الغربية لإسرائيل، بعد أن وافق في ولايته الأولى على ضم الجولان السوري المحتل، ونقل سفارة بلاده من تل أبيب للقدس المحتلة.
ليس صحيحاً أن إسرائيل هي من تحكم وتقود أميركا، فالأخيرة إمبراطورية كبرى، وإسرائيل مجرد أداة في يدها، مثلما كانت مجرد أداة في يد الإمبراطورية البريطانية الغاربة. والدليل أن ترامب أجبر إسرائيل على وقف إطلاق النار المؤقت في ١٩ كانون الثاني الماضي، مثلما أجبرها ايزنهاور على الانسحاب من سيناء بعد العدوان الثلاثي في ١٩٥٦، ومثلما أجبر جورج بوش الأب إسرائيل على الذهاب إلى مفاوضات مدريد مع الفلسطينيين عام ١٩٩٢. إسرائيل أداة في يد الغرب لاستمرار تقسيم وتفتيت المنطقة العربية.
كان البعض يظن أن ذلك مجرد غرق في نظرية المؤامرة، وأظن أن الأمر بات واضحاً الآن لكل من كان لديه حد أدنى من العقل والبصيرة. وبما أن المشكلة الحقيقية هي أميركا فعلى العرب ألا يخدعوا أنفسهم ويتعاملوا مع الحقائق على الأرض. نعم نريد ألا نخسر أميركا أو نعاديها أو ندخل معها في صراع ولديها قوى ناعمة كثيرة وجامعات وتكنولوجيا.
لسنا في الصراع مع الشعب الأميركي بل مع انحياز الإدارات المتعاقبة مع إسرائيل.
فكيف نتعامل مع هذه المعضلة؟!
عن صحيفة الايام





