في العدد ١٦٧ من مجلة نضال الشعب، وفي إطار استقراء الوضع في المنطقة العربية بين التحولات ومسلسل التفتيت ، واستعراض مسار قطار التجزئة والتقسيم بدءا من العراق مرورا بليبيا وفلسطين ولبنان وسوريا والسودان واليمن، تركنا الباب مفتوحا أمام تساؤل طبيعي “أين محطته القادمة “.
اليمن والصومال، تزامن غير بريء في توقيته. في اليمن، قوات المجلس الانتقالي المدعوم اماراتيا تتمدد في حضرموت والمهرة تمهيدا لإعلان الانفصال بالتزامن مع إعلان إسرائيل اعترافها باقليم أرض الصومال المتمرد على السلطة المركزية دولة مستقلة. وبنظرة بسيطة للخارطة الجغرافية ولموقع المنطقتين تصبح الصورة أكثر وضوحا، والأهداف غير قابلة للتمويه مهما تم تغليفها.
يعد باب المندب واحدا من اهم الممرات البحرية العالمية، إذ أنه يشكل ممرا الزاميا يربط المحيط الهندي وخليج عدن بالبحر الأحمر وصولا إلى قناة السويس. وبالتالي فإن الموقع الاستراتيجي لكل من اليمن شرقا والصومال غربا يشكل نقاط ارتكاز استراتيجية في القرن الافريقي والبحر الأحمر، ومفتاح تحكم بطرق التجارة العالمية والطاقة. وبالاضافة الى الأهمية العالمية لهذه المنطقة من العالم، فإن التوترات فيها تمثل تهديدا للأمن الاقليمي لدول المنطقة، فالاضطرابات في اليمن تؤثر بشكل مباشر على أمن الخليج ومصر خاصة مع تأثر الملاحة في البحر الأحمر حيث تمكنت طهران من إيجاد موطىء قدم لها عبر الحوثيين الذين تحركهم وقت الحاجة وتستخدمهم ورقة مساومة على طاولة المفاوضات مع الامريكيين والمجتمع الدولي. كذلك فإن الصومال الذي يمتد على ساحل طويل يطل على المحيط الهندي وقريب من باب المندب يتساوى في أهمية موقعه مع اليمن مما يجعله محورا للتنافس الدولي والاقليمي، وهو ايضا كاليمن يشهد منذ عقود صراعات وتوترات داخلية كصراعه مع حركة الشباب، واضطرابات سياسية جعلته ساحة مفتوحة للتاثيرات الخارجية أدت عام ١٩٩١ الى إعلان إقليم الصومال انفصاله عن الدولة الأم.
بالمحصلة فإن اليمن هو بوابة البحر الأحمر، والصومال منصة القرن الافريقي, وبذلك يشكلان نقاط ضغط جيوسياسي استراتيجي جاذبة للتدخلات الدولية والاقليمية. لكن ما يختلف اليوم عن الامس هو ان ما كان يتم تحت الطاولة أصبح واضحا فوقها بعد انكشاف التدخلات العلنية الاماراتية في اليمن بدعم المجلس الانتقالي للسيطرة على حضرموت والمهرة، والإسرائيلية بإعلان الاعتراف بدولة أرض الصومال الانفصالية. فهل التوقيت والتزامن بين هذين الحدثين جاء عبر قانون الصدفة، ام جاء ضمن تنسيق مسبق في إطار التخادم في لعبة المصالح، ام حلقة في إطار رسم معالم العالم الجديد الذي تخطه الولايات المتحدة الأمريكية بالشراكة والتفاهم.
في معظم مناطق الاضطرابات الداخلية في وطننا العربي يكون طيف التدخل الاماراتي حاضرا. ولذلك ليس من قبيل الصدفة ان تطرح دولة الإمارات في خضم حرب الإبادة على شعبنا الفلسطيني مبادرة جوهرها التماهي مع الأهداف الأمريكية و الإسرائيلية والتي لاقت رفضا قاطعا من شعبنا الفلسطيني وقواه الشرعية. كذلك ليس من باب الصدفة تقديمها كل أشكال الدعم لقوات الدعم السريع في السودان التي ترتكب المجزرة تلو الأخرى وتعمل على تدمير مقدرات دولة السودان ومقومات وجودها، وبذلك تقدم خدمة مجانية لإسرائيل التي ترى في السودان المتماسك والموحد على الحافة الغربية للبحر الأحمر خطرا استراتيجيا ومصدر قلق دائم، ولذلك لا بد من تفتيته وافقاده مقومات قوته. وهنا يصبح مفهوما انحراف الامارات عن مسار أهداف التحالف العربي لدعم الشرعية في اليمن الذي تم تشكيله لدعم الحكومة في مواجهة حلفاء ايران الحوثيين، واستغلالها لوجودها ضمن هذا التحالف لاحداث شرخ بين أبناء اليمن بتعزيز روح الانفصال لدى المجلس الانتقالي ودعمه ماليا وعسكريا، وتمكينه من السيطرة على عدن ومناطق الجنوب، واليوم تمدده إلى ما تبقى من مناطق تتظلل بها الحكومة اليمنية الشرعية في حضرموت والمهرة،ما اعتبرته السعودية تهديدا مباشرا لأمنها القومي دفعها لتوجيه ضربات محدودة استهدفت الدعم العسكري الاماراتي في ميناء المكلا، والاعلان انها لن تتردد في أي إجراء لمواجهة ما يمس أمنها الوطني. أما إذا ما استمرت سيطرة المجلس الانتقالي على كل هذه المناطق فهذا يعني بسط نفوذ مباشر للإمارات على طول الساحل الجنوبي لليمن والغربي حتى الحديدة، وبالتالي تمدد اليد الإسرائيلية الى هذه المنطقة نظرا للعلاقات الواسعة والتطبيع الفوق اعتيادي والتنسيق القائم بين الامارات وإسرائيل ،وهنا وجدت إسرائيل في هذه التطورات اللحظة المناسبة لإعلان اعترافها باقليم أرض الصومال دولة مستقلة. فإسرائيل منذ وقت طويل تقيم علاقات غير رسمية مع هذا الاقليم، وتحاول إيجاد موطىء قدم لها في هذه المنطقة الجيواستراتيجية، وإذا ما تحقق لإسرائيل في أرض الصومال وللإمارات في اليمن ما يطمحان إليه من اهداف، فهذا سيعني أن خليج عدن سيصبح بين فكي كماشة:الامارات ومن خلالها إسرائيل شرقا في اليمن، وإسرائيل غربا في أرض الصومال . هذه المتغيرات تشكل تهديدا حقيقيا للأمن الوطني والقومي لدول المنطقة لا سيما السعودية ومصر ، ويغير خارطة النفوذ في المنطقة.
كذلك فإن الأهداف الإسرائيلية من التمدد نحو أرض الصومال يتجاوز الجغرافيا ليتداخل مع الطموحات الإسرائيلية والامريكية لمنطقة الشرق الأوسط. فاستنادا الى تصريحات الرئيس الصومالي،فإن هناك معلومات استخبارية تفيد بأن اعتراف إسرائيل بأرض الصومال دولة مستقلة ارتكز على ثلاث محاور رئيسية تضمنت إعادة توطين الفلسطينيين في أرض الصومال،وتوفير قاعدة عسكرية لإسرائيل في خليج عدن، وانضمام الصومال إلى الاتفاقيات الابراهيمية.
في اليمن أيضا عمد قادة المجلس الانتقالي لتقديم أنفسهم كشركاء محتملين لإسرائيل، إذ أنه منذ عام ٢٠٢١ اعلن رئيس المجلس الانتقالي عيدروس الزبيدي في مقابلة مع قناة روسية مباركته للتطبيع الإماراتي الإسرائيلي، وانه يود إقامة علاقات مع إسرائيل إذا حصل الجنوب على استقلاله. كذلك فإن المشروع الاماراتي” مشروع حزام القواعد” يقوم على بناء شبكة من القواعد والموانىء تمتد من سقطرى وميون و”زقر” إلى بوصاصو وبربرة في الصومال، وتشارك فيه إسرائيل عبر رادارات ELM 2084 ومنظومات إنذار مبكر. وقد اقيمت هذه القواعد على اراض يديرها المجلس الانتقالي وقوات طارق صالح، ما يمنح الامارات وإسرائيل نفوذا على الملاحة دون تحمل كلفة سياسية عالية، ويؤمن لإسرائيل قدرة على التحكم بمنطقة حساسة لها تأثيرها المباشر على موازين القوى على كل المستويات. لذلك فإن المنطقة اليوم تعيش زمنا مفصليا مفتوحا على كل الاحتمالات وستكون له ارتداداته التصاعدية والخطيرة على المنطقة.





