لا يكن قراءة أرقام الميزانية الدفاعية الجديدة التي وافقت عليها الحكومة اليابانية مؤخراً، بمعزل عن التوتر المُفتعل مع الصين بفعل تصريحات رئيسة الوزراء اليابانية، ساناي تاكايتشي، حول التدخل العسكري في تايوان “إذا اتخذت الصين إجراء ضد تايوان”.
خطة الميزانية الدفاعية الجديدة وُصفت بالقياسية، بقيمة تتجاوز 9 تريليونات ين (ما يعادل 58 مليار دولار) بدءاً من نيسان أبريل العام المقبل، بارتفاع نسبته 9.4% عن ميزانية عام 2025، وتأتي ضمن خطة أوسع لمضاعفة الإنفاق السنوي على الأسلحة إلى 2% من الناتج المحلي الإجمالي (خطة خمسية أشرفت على عامها الرابع) والهدف وفقاً للبيان الحكومي هو “تعزيز القدرة على الرد الهجومي والدفاع الساحلي”.
غير أن التوتر في أقصى الشرق الآسيوي له جذور تعود إلى ما هو أبعد من قضية تايوان، التي يتخذها الغرب عموماً كذريعة للضغط على الصين. النهضة اليابانية العسكرية كانت تنتظر ظروفاً مناسبة منذ استسلام طوكيو في الحرب العالمية الثانية، ومنذ أن أطلقت دستورها الجديد المُعتمد حتى اليوم والذي ينص على التالي: “يتطلع الشعب الياباني بصدق وإخلاص إلى السلام العالمي القائم على أسس من العدل والنظام، ويتخلى إلى الأبد عن الحرب كحق سيادي للدولة وعن القيام بأية أعمال عدوانية أو تهديد بواسطة العنف كوسيلة لحل النزاعات الدولية […] لا يتم امتلاك قوات برية أو بحرية أو جوية أو غيرها من القوات العسكرية، ولا تعترف الدولة بحقها في خوض الحروب”.
في التفسير الحكومي، لا يمنع هذا البند اليابان من حق الدفاع عن النفس، ولهذا اقترن تصريح رئيسة الوزراء اليابانية الذي أثار الغضب الصيني على افتراضات لما ستقوم به بكين. قالت تاكايتشي أمام البرلمان “أي أزمة حول تايوان تدفع الصين إلى نشر (سفن حربية) والنظر في (استخدام القوة)، ستعتبره طوكيو تهديدا لبقائها، وقد يدفعها إلى التفكير في تدخل عسكري”.
الطموحات اليابانية إذاً لكسر الإرث التاريخي الثقيل المستمر منذ أكثر من ثمانين عاماً، ربما تحمل خطة التسليح المتزايد ضمن أحلام اليابان بالعودة إلى الخريطة العسكرية العالمية، وعدم اقتصار دورها على الشق الاقتصادي الذي باتت علامة فارقة فيه. لكن هذا الطموح وارتباطاته التاريخية، يفسر ربما الموقف الأمريكي الذي امتنع عن تقديم الدعم الواضح والصريح لطوكيو في التصعيد الأخير. محاذير واشنطن لا تتعلق بالصين فقط، بل بمدى عمق الطموحات اليابانية، وكيفية كبح جماح طوكيو إذا ما “كسرت” حاجز الحرب الأولى بعد سنوات الهزيمة المعنوية والنفسية التي تستمر منذ العام 1945.
لكن، وفي مقابل “غموض” الموقف الأمريكي، تبدو أوروبا أكثر مراوغة في دعم اليابان. اتفاقيات تسليحية ألمانية يابانية تزامنت مع الذكرى السنوية الثمانين لانتهاء الحرب العالمية الثانية، كما اتفقت كل من بروكسيل وطوكيو على بدء “حوار الصناعات الدفاعية” في أوائل العام 2026. خطوات تكشف الكثير عن دور أوروبا عموماً في تأجيج التوتر في أقصى الشرق الآسيوي. في هذا الإطار تضمنت بيانات الاتحاد الأوروبي عبارة “القلق البالغ” إزاء المناورات العسكرية الصينية بالذخيرة الحية في محيط تايوان، مع دعوات إلى “ضبط النفس القصوى” وتجنب أي إجراءات أحادية لتغيير الوضع القائم بالقوة، مع تأييد صريح للموقف الياباني بخصوص تايوان.
خلاصة الموقف الأوروبي تقول إن القارة العجوز تقف بوضوح إلى جانب اليابان بمواجهة ما تصفه بـ “العدوانية الصينية”، لكنها لا تقطع قنوات الحوار مع الصين لأنها لا تريد أن يتحول التوتر في منطقة المحيطَين الهادئ والهندي إلى صراع مسلح مباشر، لارتباط أمن هذه المنطقة بأمن أوروبا، وفقاً لمسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، أورسولا فون دير لاين.
على الضفة الأخرى، تعتبر الصين الأمر سيادياً، بكين التي لطالما شددت على خطورة التدخل العالمي في قضية تايوان باعتبارها “شأناً صينياً داخلياً”، استنفرت تصريحاتها في البداية للرد على الإزعاج الياباني الذي اعتبرته محاولة للطعن في الخاصرة (كانت الصين تتوقع ربما أن يأتي التصعيد العسكري أمريكياً أو أوروبياً). وحذرت من أن أي تدخل ياباني سينتهي بـ “هزيمة ساحقة”، فـ “من يلعب بالنار سيهلك بها”. الخطوة التالية كانت المناورات العسكرية في محيط تايوان بالذخيرة الحية. رسالة عسكرية لمن يفكر باستحضار اللحظة التي تستعد لها الصين منذ سنوات عديدة!
تاريخياً، تستذكر الذاكرة الشعبية الصينية الغزو الياباني بين عامَي 1931 و1945 وضحاياه الذين بلغوا نحو 14 مليوناً، ويربطون تصريحات تاكايشي بأفكارها القومية التي تقدم تفسيرات تبريرية للإمبريالية اليابانية وممارساتها إبان الحرب العالمية الثانية. بهذا المعنى فإن الصين تقرأ التصريحات اليابانية الأخيرة في سياق أوسع يتعلق بتكرار استهداف بكين عسكرياً واقتصادياً ولهذا جاء الرد الصيني قاسياً على نحو متوقع.
ورغم عدم وجود قيود تحكم التسلح الصيني أو قرار بكين السيادي بشن الحروب، إلا أن بكين تعمدت عدم المشاركة في حروب مباشرة منذ الحرب الصينية الفيتنامية عام 1979. رغم ذلك، يركز الجيش الصيني على التحديث العسكري واستعراض القوة، ربما في رسالة واضحة أن الأسلحة التي لا يتم استخدامها ميدانياً قد تُصاب بالصدأ! السؤال الذي يُقلق المراقبين هو ما إذا كانت بكين ستتخذ قرار استخدام أسلحتها ضد اليابان، لاعتقاد الصين ربما أنها دولة قد لا يثير الرد العسكري عليها خطر الانجرار إلى حرب إقليمية أوسع.
المتضرر الأكبر ربما من أي تصعيد عسكري بين بكين وطوكيو سيكون الاقتصاد العالمي، الذي تحتل الصين مركزه الثاني فيما حجزت اليابان مؤخراً مركزه الرابع. كما سيتضرر كل من اقتصادّي البلدَين بكل تأكيد اللذين ورغم النمو المتزايد لكل منهما، إلا أن هناك الكثير من التحديات التي يحاولان تخطيَها (شيخوخة السكان وارتفاع الدين العام بالنسبة لليابان، والتباطؤ بسبب أزمة العقارات وبعض القضايا الهيكلية بالنسبة للصين).
يبدو التصعيد العسكري في أقصى الشرق الآسيوي أبعد وأعمق من أمر مؤقت، والخطر يمكن في خطوات الطرفين، الصيني والياباني، على إرث تاريخي وطموحات النفوذ، وليس على المنطق الذي يحكم صراعات قوَّتين اقتصاديتَين تُعتبران من الأهم على الساحة العالمية، وهذا ما قد يجعل أي انجرار إلى الصراع العسكري المباشر خطيراً على العالم. التهدئة طموح يصب في مصلحة الطرفين، وقرار عدم الانجرار إلى الهاوية يحتاج إلى تحكيم العقل وحساب كل خطوة، وإلى عدم وجود محرِّضين مستفيدين من “كسر شوكة الإكراه الصيني” لصالح تحقيق مكاسبهم الاقتصادية والعسكرية الخاصة، وهو ما سيتضح أكثر في الأيام القادمة.





