في كل عام يحلّ الثامن من آذار، يوم المرأة العالمي، فتتعالى الكلمات وترفع الشعارات احتفاء بالمرأة ودورها في المجتمع، غير أن المرأة العاملة في فلسطين لا تنتظر خطاباً عاطفياً ولا باقات ورد، بل تنتظر عدالة في الأجر، وأمناً في بيئة العمل، وحماية اجتماعية تصون كرامتها الإنسانية، وإن إحياء اليوم العالمي للمرأة ينبغي أن يكون محطة مراجعة ومساءلة حقيقية، لا مناسبة رمزية عابرة.
فالمرأة الفلسطينية، في ظل واقع سياسي واقتصادي معقد، تخوض معركة يومية مزدوجة؛ فهي عاملة ومنتجة، وأمّ ومربية، وشريكة أساسية في صمود المجتمع واستمراره، ومع ذلك، ما زالت تواجه فجوة واضحة في الأجور مقارنة بالرجال، وتتركز في قطاعات منخفضة الدخل مثل التعليم والخدمات والزراعة والعمل غير المنظم، حيث تعمل كثيرات دون عقود رسمية أو ضمانات اجتماعية أو تأمين صحي، ما يجعلهن عرضة للاستغلال والحرمان من أبسط الحقوق العمالية.
في المصانع والحقول وورش الخياطة والمشاغل الصغيرة، تعمل النساء ساعات طويلة مقابل أجور متدنية، وأحياناً في بيئات تفتقر إلى شروط السلامة المهنية، وفي القطاع الخاص، لا تزال إجازة الأمومة والحق في العودة إلى العمل بعد الولادة بحاجة إلى حماية فعلية وتطبيق صارم للقوانين، بعيداً عن الاكتفاء بالنصوص الشكلية.
ولا يمكن فصل معاناة المرأة العاملة عن السياق العام الذي تعيشه فلسطين؛ فسياسات الاحتلال، وإغلاق الحواجز، ومصادرة الأراضي، وإضعاف البنية الاقتصادية، كلها عوامل تضرب سوق العمل وتدفع النساء إلى الهامش، وعندما يشتدّ الضغط الاقتصادي، تكون المرأة غالباً أول من يُستبعد من فرص العمل، وآخر من يعاد إدماجه في الدورة الإنتاجية، وفي ظل اقتصاد هشّ وفرص محدودة، تتسع دائرة العمل غير المنظم، حيث تعمل آلاف النساء في ظروف غير محمية، بلا تمثيل نقابي فاعل، ولا أدوات ضغط قادرة على صون حقوقهن.
إن الحركة النقابية مطالبة اليوم بأن تجعل قضايا المرأة العاملة في صلب برامجها، لا في هامشها، والمطلوب تمثيل حقيقي للنساء في مواقع صنع القرار النقابي، وسياسات واضحة تضمن الأجر العادل، وبيئة العمل الآمنة، والحماية الاجتماعية الشاملة، كما أن التشريعات العمالية بحاجة إلى تطوير ومراجعة بما ينسجم مع معايير العمل اللائق، مع توفير آليات رقابة فعالة تضمن تطبيق القانون ومحاسبة كل من ينتهك حقوق العاملات.
إن الثامن من آذار ليس يوماً للاحتفاء الشكلي، بل دعوة لتحويل التضامن إلى سياسات عملية، والشعارات إلى خطط ملموسة، فتمكين المرأة العاملة ليس مطلباً فئوياً ولا ترفاً اجتماعياً، بل شرط أساسي لتحقيق تنمية حقيقية وعدالة اجتماعية، فلقد كانت المرأة الفلسطينية دائماً في قلب النضال والعمل والإنتاج، وهي اليوم ركيزة أساسية في الاقتصاد الوطني وحاضنة للاستقرار الأسري والمجتمعي.
وفي هذه المناسبة، نجدد التأكيد أن كرامة المرأة العاملة جزء لا يتجزأ من كرامة المجتمع كله، وأن العدالة الاجتماعية تبدأ بالاعتراف الكامل بحقوقها، وضمان مشاركتها الفاعلة في بناء المستقبل، حين تتحقق هذه الحقوق واقعاً ملموساً، يصبح الثامن من آذار يوماً للاحتفاء بالإنجاز، لا للتذكير بالمعاناة




