الرئيسيةزواياأقلام واراءالبيت والوطن معادلة الأمان المفقود تحت عتمة الاعتقال .. بقلم : محمد...

البيت والوطن معادلة الأمان المفقود تحت عتمة الاعتقال .. بقلم : محمد جبر


في الدقائق الأولى للاعتقال وحين يكسر رصاص المحتل وأعقاب بنادقه سكون الفجر لا يعود الألم الجسدي الناتج عن الضرب والتنكيل هو الوجع الأكبر هناك في تلك اللحظة الخاطفة والمليئة بالصدمة يولد نوع آخر من الألم إنه ألم لحظة الإدراك القاسية التي تعيد ترتيب مفاهيم الوجود والحرية والأمان في وعي الإنسان ، يظن المرء طوال حياته أن جدران بيته المحصنة وأبوابه الموصدة ونوافذه المسدلة هي درعه الواقي من غدر العالم.

يجهد في ترميم بيته وتأثيثه وجعله ملاذاً دافئاً لعائلته لكن ومع أول قيد يلتف حول المعصم وأول دفعة مهينة توجه نحو الجدار يتلاشى هذا الوهم المادي تماماً يدرك المعتقل في تلك اللحظات أنه على الرغم من عيشه داخل خرسانة صلبة كان في الحقيقة يعيش في “العراء”.
هذا العراء ليس مكاناً بلا سقف بل هو عراء السيادة وعراء الحماية فالبيت في ظل الاحتلال يفقد قيمته الوظيفية كملجأ يصبح مجرد جدران إسمنتية مخترقة في أي لحظة ولا تملك من أمر صاحبها دفعاً ولا نفعاً إنها اللحظة التي يتجلى فيها الوعي الصادم البيت بلا وطن لا قيمة له فما نفع أن تملك سريراً وخزانة وباباً وأنت لا تملك الفضاء الذي يحيط بها ولا القانون الذي يحميها ولا الأفق الذي يمتد وراءها.
على الوجه الآخر من هذا الإدراك المرير تلمع حقيقة مغايرة تعيد بناء المعنى حقيقة تقول إن الإنسان لو كان في وطن بلا بيت فهو في بيت محصن فالوطن ليس مساحة جغرافية أو عقارات مسجلة بل هو مظلة الكرامة والسيادة والانتماء.
عندما يتحرك الإنسان فوق أرض حرة يملك قرارها وتحميه قوانينها فإنه يعيش المحصّنة الكبرى حتى وإن نام تحت القبة الزرقاء بلا جدران فالشمس تظل سقف حريته والريح حليفته والتراب وسادة كرامته.
إن لحظة الإدراك الأولى أثناء الاعتقال ورغم ما يرافقها من مرارة التنكيل والقهر هي لحظة ولادة وعي جديد وتجريد حقيقي للأشياء إنها اللحظة التي يكتشف فيها الأسير أن معركته ليست لحماية جدران بيته بل لاستعادة فضاء وطنه لأن الوطن هو الحصن الوحيد الذي لا يمكن للاعتقال أن يهدم جدرانه داخل الروح
من تجربة الاعتقال لامين سر فرع نابلس

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب