الرئيسيةزواياأقلام واراءافتتاحية «نضال الشعب» :الحوار من أجل إنهاء الانقسام واستعادة القرار الوطني

افتتاحية «نضال الشعب» :الحوار من أجل إنهاء الانقسام واستعادة القرار الوطني

 

 

لم يعد إنهاء الانقسام الفلسطيني يحتمل مزيداً من التفاهمات الجزئية أو الحوارات التي تفتقر إلى آليات التنفيذ وضمانات الالتزام، فالوحدة الوطنية ليست تسوية عابرة بين قوى متنازعة، بل ضرورة وطنية وتاريخية ملحّة لحماية المشروع الوطني الفلسطيني، واستعادة وحدة النظام السياسي واستقلالية قراره، وتجديد شرعية المؤسسات على أساس الإرادة الشعبية التي تجسدها صناديق الأقتراع والشراكة الديمقراطية ، في مواجهة تصاعد العدوان الإسرائيلي والمخاطر التي تستهدف الحقوق الوطنية الفلسطينية ، فاستمرار الانقسام يستنزف الطاقات والإمكانات، ويضعف القدرة على مواجهة الاحتلال والدفاع عن حقوق شعبنا وتطلعاته إلى الحرية والاستقلال وتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة  ذات السيادة.

من هنا، يشكّل الحوار الوطني برعاية مصرية فرصة ينبغي البناء عليها، انطلاقاً من نتائج الحوارات السابقة، والعمل على تعميقها وتوسيعها لتشمل جميع القوى والفصائل الفلسطينية، بعيداً عن الاحتكار والإقصاء والاشتراطات المسبقة، فالمطلوب ليس منصة للخطابات أو حواراً لتسجيل المواقف وتجديد التعهدات، وإنما مسار وطني شامل يفضي إلى التزامات واضحة ، وخارطة طريق محددة، وآليات تنفيذ ملزمة، وجدول زمني معلن، ينقل القضية من إدارة الانقسام إلى إنهائه ومعالجة أسبابه السياسية والمؤسسية .

إن نجاح هذا المسار يتطلب إرادة سياسية مسؤولة من جميع الأطراف، وفي مقدمتها حركة حماس، وتغليب المصلحة الوطنية العليا على الحسابات الفئوية ومحاولات تكريس الأمر الواقع، كما يستدعي الانتقال من منطق المغالبة إلى الشراكة، ومن توظيف الخلافات لتعزيز النفوذ التنظيمي إلى معالجتها ضمن مرجعية وطنية جامعة، فلا يجوز أن يتحول الحوار إلى غطاء لاستمرار ازدواجية السلطة والقرار، أو أن تبقى المصالحة رهينة شروط تعطل الوصول إلى اتفاقات قابلة للتنفيذ.

وفي هذا السياق، فإن المبادئ المطروحة في وثيقة «المسار الفلسطيني ـ الفلسطيني للمصالحة الفلسطينية»، بما تتضمنه من إنهاء مفرزات الانقسام في قطاع غزة، والالتزام بوحدة النظام والقانون والسلاح الشرعي الواحد ، واحترام مكانة منظمة التحرير الفلسطينية وبرنامجها الوطني، واعتماد المقاومة الشعبية السلمية، والتمسك بالحل السياسي المستند إلى قرارات الشرعية الدولية، وتوحيد المؤسسات الحكومية، وإسناد ملف المفاوضات إلى منظمة التحرير، تستدعي حواراً مسؤولاً يحدد مضامينها وآليات تطبيقها، ويربط التوافقات السياسية بخطوات عملية قابلة للتنفيذ والمساءلة.

إن التوافق الوطني لا يعني إلغاء الاختلافات السياسية أو فرض رؤية تنظيمية واحدة، بل الاتفاق على قواعد ديمقراطية لإدارة التعددية، وضمان المشاركة في صنع القرار، والاحتكام إلى المؤسسات وسيادة القانون، كما أن الضمانات المصرية، على أهميتها، لا تغني عن الإرادة الفلسطينية والالتزام الفعلي بتنفيذ التفاهمات؛ فالمسؤولية الأساسية عن إنجاز المصالحة تقع على عاتق القوى والفصائل الفلسطينية، التي يتعين عليها وضع حد للانقسام وتداعياته، وتوحيد المرجعيات والمؤسسات الوطنية على قاعدة الشراكة والمصلحة العامة.

وتتطلب استعادة القرار الوطني تعزيز مكانة منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الإطار الوطني الجامع والممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني، من خلال إصلاح مؤسساتها وتطوير بنيتها التمثيلية وتوسيع المشاركة السياسية فيها، بما يضمن استيعاب التعددية الوطنية وتجديد شرعيتها، كما تقتضي تجديد الشرعيات الديمقراطية عبر الانتخابات الرئاسية والتشريعية، باعتبارها حقاً أصيلاً للشعب الفلسطيني واستحقاقاً وطنياً لا يجوز إخضاعه للحسابات الفصائلية أو تعطيله إلى أجل غير محدد، فتأجيل الانتخابات لا يعني إلغاءها، والتوافقات السياسية لا يمكن أن تكون بديلاً دائماً عن الإرادة الشعبية، بل ينبغي أن تهيئ الطريق أمام المواطنين لاختيار ممثليهم بحرية وتجديد شرعية المؤسسات.

لا يزال شعبنا الفلسطيني يتطلع إلى ممارسة حقه الديمقراطي في اختيار ممثليه عبر انتخابات حرة ونزيهة، تصان فيها إرادة الناخبين وتحترم نتائجها، وهذا يقتضي توفير الظروف السياسية والوطنية اللازمة لإجرائها في أقرب وقت ممكن، ومطالبة الأمم المتحدة والمجتمع الدولي بتحمل مسؤولياتهما في توفير الحماية الدولية لشعبنا، ودعم المسار الديمقراطي، والمساهمة في تهيئة الظروف التي تضمن إجراء الانتخابات ومشاركة الفلسطينيين في القدس المحتلة وفي قطاع غزة والضفة الغربية، بما يصون حقهم في الاختيار الحر ويحول دون إخضاع هذا الاستحقاق لإجراءات الاحتلال وقيوده.

وتزداد ضرورة الوحدة في ظل استمرار العدوان الإسرائيلي، وتوسع الاستيطان والتهويد والحصار، وتصاعد المحاولات الرامية إلى فرض وقائع تستهدف الحقوق الوطنية ومستقبل القضية الفلسطينية، بدعم أمريكي متواصل، فمواجهة هذه التحديات تتطلب وحدة الموقف والقرار، وتعبئة الطاقات الشعبية والوطنية، وبناء نظام سياسي ديمقراطي قادر على حماية الحقوق وتعزيز الصمود، كما ينبغي أن تتصل الوحدة السياسية بالاستجابة للقضايا الاجتماعية والاقتصادية، وصون حقوق الطبقة العاملة والفئات الشعبية، ومواجهة الفقر والبطالة والتهميش، وترسيخ العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص.

وعليه، ندعو جميع القوى والفصائل الفلسطينية، إلى تحمّل مسؤولياتها التاريخية، وتغليب المصلحة الوطنية العليا، والانخراط الجاد في حوار برعاية مصرية يفضي إلى اتفاق ملزم وجدول زمني واضح للتنفيذ، بعيداً عن المناورات والاشتراطات المعطّلة، كما ندعو إلى تحويل المواقف المعلنة بشأن الوحدة الوطنية إلى خطوات عملية تنهي ازدواجية السلطة والقرار، وتعيد الاعتبار للإرادة الشعبية وسيادة القانون والشراكة الوطنية.

إن شعبنا الفلسطيني الذي دفع أثماناً باهظة في مسيرته النضالية يستحق نظاماً سياسياً موحداً، وشرعية ديمقراطية متجددة، وقراراً وطنياً مستقلاً، لذلك، ندعو إلى الشروع الفوري في تنفيذ خطوات المصالحة، ووضع حد لمرحلة إدارة الانقسام وإعادة إنتاجه، فالوحدة ليست امتيازاً لفصيل، بل ضرورة وطنية لحماية المشروع الوطني ومواجهة الاحتلال وتحقيق الحرية والاستقلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس، ولتكن الحوارات الجارية والتي ستجري بداية فعلية لإنهاء الانقسام السياسي والجغرافي واستعادة القرار الوطني الموحد، لا محطة جديدة لتأجيله؛ فقد آن أوان الانتقال من الأقوال إلى الأفعال، ومن الانقسام إلى الشراكة الوطنية الديمقراطية التي تستند إلى إرادة الشعب وتصون حقوقه وثوابته الوطنية التي ناضلت الأجيال الفلسطينية من أجل تحقيقها.

 

 

                                                                              رام الله    

 17/10/2026

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب