الرئيسيةالاخبارأجساد صامتة تقاوم الجوع: سوء التغذية المزمن يترصد أطفال غزة تقرير:...

أجساد صامتة تقاوم الجوع: سوء التغذية المزمن يترصد أطفال غزة تقرير: فاطمة الدعمة

لا يُقاس ثمن الحرب بالدمار والمباني المهدمة فحسب، بل يمتد أثرها الخفي ليتسلل إلى أجساد ضعيفة لا تحميها سوى البراءة. في قطاع غزة، وبينما تحاول الأسر التقاط أنفاسها، تلوح في الأفق أزمة غذائية من نوع آخر؛ أزمة لا ترتبط فقط بالنقص الحاد في الغذاء، بل بسوء جودته ونقص عناصره الأساسية، مما يهدد بتشوه نمو جيل كامل وتحويل أجساد الأطفال إلى ساحة معركة جديدة مع سوء التغذية المزمن.

أجسادٌ هشّة تحت مقصلة المرض والحاجة

يقول والد الرضيعة يسرى الريفي (شهرين) بنبرة يملؤها العجز، وهو يراقب جسدها النحيل الذي يخوض صراع مزدوج؛ الأول مع انسداد خلقي في القلب، والثاني مع سوء تغذية حاد ينهك بنية لم تتفتح بعد. يقول الوالد: “طفلتي بحاجة ماسة لتدخل طبي ودعم غذائي عاجل، لكن في ظل غياب أي مصدر دخل وثقل المصاريف المعيشية الأسرية، أقف عاجزاً حتى عن توفير أبسط المكملات أو الغذاء الصحي الموصى به لإنقاذ جسدها الصغير.”

أما والد الطفل خليل حمودة فيروي معاناته مع التراجع المستمر في صحة ابنه الذي يبلغ من العمر “عامين ونصف العام”، حيث يلتهم الضعف والنحافة جسده يومًا بعد يوم. ويؤكد الوالد أن السبب لا يخفى على أحد: “السبب واضح ومؤلم، إنه الغياب التام للأغذية الصحية والبروتينات لدينا”. إن انعدام القدرة المالية جعل من شراء الفواكه أو اللحوم أمراً خارج حدود استطاعتنا، فنحن نكافح فقط لتوفير ما يسد الرمق لأسرتنا، على حساب صحة هذا الطفل.

أما الطفلة شيماء أبو الحسنى (عام ونصف) فيقول والدها: “ابنتي شيماء لم تبلغ عامها الثاني بعد، تعاني من سوء تغذية حاد سلبها القدرة على الخطو أو الوقوف كباقي الأطفال.”

ويضيف والدها، وهو معيل لأسرة مكونة من 5 أفراد ومن أصحاب الدخل المحدود: “عندما يخبرك الطبيب أن طفلتك بحاجة لبيضة يومياً أو حبّات من الفاكهة لتقف على قدميها، وتنظر في جيبك فلا تجد شيئاً، هنا تكمن الفاجعة.”

أرقام أممية قرع للناقوس: دراسة “اليونيسف” تكشف واقع التغذية

في هذا السياق، كشفت دراسة استطلاعية حديثة أصدرتها منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) — أُجريت بين مايو ويونيو 2026 عقب توسيع المساعدات بعد وقف إطلاق النار — عن أبعاد نادرة ومقلقة للواقع الغذائي للأطفال والأمهات في القطاع.

ورغم تسجيل انخفاض نسبي في حالات “سوء التغذية الحاد” في المناطق التي أمكن الوصول إليها، إلا أن المنظمة دقّت ناقوس الخطر بشأن الصورة الممتدة طويلة الأجل، حيث سلطت الدراسة الضوء على النقاط الجوهرية التالية:

  • تراكم الظروف القاسية (التقزم): يعاني 12.2% من الأطفال دون سن الخامسة من “سوء التغذية المزمن” (التقزم)، وهو مؤشر يوضح الفقر المتراكم في نمو القامة جراء القصور الصحي والغذائي الممتد، بينما بلغت نسبة زيادة الوزن 4%، مما يعكس الخلل الهيكلي وتدني جودة النظام الغذائي المتاح.
  • أنظمة غذائية فقيرة: أظهرت الأرقام أن نحو 73% من الأطفال (من 6 إلى 23 شهراً) يعتمدون على أغذية غير صحية، في حين لم يحصل سوى 22.4% منهم فقط على الحد الأدنى من النظام الغذائي المقبول والمتوازن.

وتعقيباً على البيانات، أكد المتحدث باسم الأمم المتحدة، ستيفان دوجاريك، أن خلف هذه النسب المئوية يقف أطفال يُحرَمون من التنوع الغذائي اللازم لنموهم الطبيعي.

وشُدّد في هذا الإطار على ضرورة الوصول الإنساني المستدام ودون عوائق لقطاع غزة، بما يشمل تدفق الوقود، وفتح الأسواق التجارية، واستمرار تمويل القطاعات الحيوية (المياه، الصرف الصحي، والتغذية) لمنع كارثة صحية أعمق.

عندما يسلب سوء التغذية الحواس والنمو

تنقل والدة الطفلة صبا أبو وردة وشقيقها الصغير صورة شديدة القسوة للواقع المعيشي داخل منزلهم، حيث يعاني الطفلان من ضعف جسدي شديد وسوء تغذية ممتد نتيجة انعدام الأكل الصحي.

تقول الأم بصوت حزين: “زوجي بلا عمل ولا نمتلك أي مصدر دخل ثابت. وأطفالي بحاجة لتناول الفواكه أو الخضار الطازجة أو اللحوم لكن ببساطة لا نملك ثمن شرائها.”

أما الطفل محمد نصر (سنتان) فلم يكتفِ سوء التغذية بنحل جسده، بل امتدت آثاره الكارثية لتصيب بصره، حيث تراجع مدى رؤيته لنسبة ضئيلة جداً، مصحوباً بصداع دائم وشكوى متواصلة من ألم الرأس.

يوضح والده حرقة قلبه قائلاً: “رؤية ابني تفقد بريقها بشكل تدريجي بسبب نقص الفيتامينات والعناصر الأساسية في غذائه. مع شح الموارد المالية وضغوط تأمين الاحتياجات الضرورية لباقي أفراد العائلة، أجد نفسي مكبلاً، غير قادر على شراء المواد الغذائية الغنية التي يحتاجها جسده وعيناه لتتعافى.”

ضمورٌ، وسقوطٌ، وأسنانٌ تتهاوى؛ تجتمع على جسد الطفلة هيا أحمد (6 سنوات)؛ فهي تعاني من ضمور في الدماغ، زاد من حدته تدهور بنشاطها وجسدها الضعيف بفعل سوء التغذية، حتى باتت أسنانها تتساقط وتتهاوى على الأرض عاجزة عن الحركة أو الوقوف.

تقول والدتها بصدمة وحزن: “بنية هيا تتآكل يومياً. تحتاج لنظام غذائي خاص يضم الخضار واللحوم والفواكه المقوية للعظام والأسنان، لكن انعدام الدخل وشح الإمكانات يجعلنا نكتفي بحد الكفاف ليعيش بقية الإخوة، لتسدد هيا ثمن هذا الفقر من صحتها وجسدها المنهك.”

صحة الأطفال على المحك: شهادة طبية من قلب الأزمة

داخل أقسام الأطفال والتغذية العلاجية، تظهر الحقيقة الصعبة التي يعيشها أطفالنا؛ سوء التغذية لم يعد مجرد نحافة أو ضعف بسيط، بل أصبح خطراً حقيقياً يهدد صحة أجسادهم وعقولهم.

يستعرض رئيس قسم التغذية العلاجية بمشفى النصر/ الرنتيسي الطبي — استشاري طب الأطفال د. أحمد بصل — ملامح وسلوك هذا المرض الميداني، موضحاً أن العلامات السريرية لسوء التغذية الحاد تبدأ بتراجع حاد في الوزن، وفقدان ملموس للكتلة العضلية والدهون تحت الجلد؛ حتى ينطبق على الطفل الوصف الدارج شعبياً بأنه أصبح “جلداً على عظم”، وتترهل بشرته لتبدو وكأنه يرتدي بنطالاً أوسع بكثير من مقاسه.

وأشار د. بصل إلى أن التقييم الفني يعتمد على معايير تشخيصية دقيقة، من بينها قياس محيط منتصف الذراع الذي يظهر انخفاضاً حاداً عن المعدلات الطبيعية المتعارف عليها، بالإضافة إلى قياس مؤشر الانحراف المعياري (Z-score).

وحول ظهور أعراض أو أنماط غير معتادة، أكد أنه على الرغم من أن سوء التغذية يُعد مرضاً مسجلاً منذ القدم في عدة دول، إلا أن الظروف القاسية والأحداث الحالية أدت إلى بروز كافة أنواعه، بدءاً من سوء التغذية الحاد الشديد (SAM) إلى المتوسط (MAM). غير أن الجانب الأكثر خطورة من الناحية العملية تجلى في ظهور حالات “الكواشيركور”، وهي حالات بالغة القسوة والتعقيد أدت للأسف إلى وفاة عدد من الأطفال نتيجة المضاعفات الحادة.

وعن مسار التدخل الطبي، أوضح استشاري طب الأطفال أن الأدوية والبروتوكولات المتبعة تختلف بحسب التقييم الأولي والشكوى المرضية؛ فبعض الحالات تتطلب المتابعة الدورية في العيادات، وبعضها يستدعي الإدخال إلى الأقسام العامة أو المبيت في قسم التغذية العلاجية، بينما تُحول الحالات الشديدة إلى العناية المركزة لعلاج التعقيدات المصاحبة.

وشدد على أن أي طفل يُشخص بسوء التغذية الحاد الشديد (SAM)، يُتعامل معه وفق قاعدة أولية ذهبية تقضي باستبعاد وتدارك ثلاثة محاور خطيرة فوراً: الالتهابات البكتيرية، هبوط مستوى السكر في الدم، وهبوط حرارة الجسم والجفاف؛ إذ تُعد هذه الخطوة الفاصلة بداية طريق العلاج.

وفصّل الطبيب خطة العلاج والتغذية المتبعة، مشيراً إلى أنها تعتمد على إعطاء المضادات الحيوية، والسيطرة على القيء والإسهال لمنع خطر الجفاف ومضاعفاته عبر معوضات السوائل التخصصية مثل محلول “الريزومال”، مع تزويد الأطفال بعنصر الزنك في حالات النزلات المعوية، فضلاً عن إمدادهم بالحليب الغذائي العلاجي الخاص بمرضى (SAM).

وأوضح د. بصل أن بروتوكول التغذية يتدرج بين استخدام حليب (F-75) لإيصال الحالة لوضع مستقر، ثم الانتقال إلى حليب (F-100) لإعادة البناء، إلى جانب المكمل الغذائي الجاهز للاستخدام والمعروف بزبدة الفستق (RUTF)، أو حسب التشخيص المصاحب للمرض.

واختتم استشاري طب الأطفال شهادته بقرع ناقوس الخطر حول الآثار البيولوجية الممتدة للمرض، مؤكداً أنه ينخر في الأجهزة الحيوية وقد يتلف الأعضاء بالكامل:

  • فعلى صعيد الجهاز العصبي والدماغ: إذا ضرب المرض الطفل في مرحلة النمو والتطور، فإنه يؤدي لنتائج عكسية كارثية كضمور الدماغ، وإعاقة تطور الذكاء والقدرات العقلية والجسدية، مما يخلق أطفالاً يعانون من إعاقات ذهنية وفكرية دائمة.
  • وعلى صعيد عضلة القلب: تضعف عمليات الانقباض والانبساط وتفقد القدرة على ضخ الدم بكفاءة، فلا تصل الطاقة ولا الأكسجين ولا الجلوكوز للخلايا، مما يسبب خمولاً وضموراً وظيفياً ينهك الجسد برمته.
  • وعلى صعيد المناعة: تضمر الخلايا المسؤولة عن مقاومة الأجسام الغريبة، ليتحول جسد الطفل إلى مسرح خصب لمختلف الانتكاسات، وفي مقدمتها النزلات المعوية الشديدة، التهابات السحايا، التهابات الأذن، والتهابات المسالك البولية.

إن الأرقام والنسب المئوية الواردة في التقارير الدولية ليست مجرد إحصاءات تُتلى في المؤتمرات الصحفية، بل هي حكايات أطفال يُحرمون حقهم الفطري في النمو السليم. إن إنقاذ طفولة غزة من براثن التقزم وسوء التغذية يقتضي ما هو أكبر من مجرد شحنات إغاثية عابرة؛ إنه يتطلب حلاً جذرياً يضمن فتح المعابر، ودعم الأسواق، وإعادة بناء منظومة صحية وغذائية متكاملة تضمن لكل طفل حقه في غدٍ أفضل، وجسدٍ سليم، لكن في ظل الإغلاق المستمر للمعابر وعدم إدخال شاحنات المساعدات الإغاثية بشكلٍ كافٍ ستظل المعاناة قائمة دون حل. والسبب وراء ذلك كله هو الاحتلال وإجراءاته التعسفية تجاه سكان قطاع غزة.

 

 

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب