الاخبارشؤون فلسطينية

فشل السياسة الأميركية في التعامل مع المسألة الفلسطينية

في أحداث غزة الأخيرة، قتل أكثر من 160 فلسطينياً و5 إسرائيليين. وفيما ينقشع الدخان عن غزة، لن يكون الإسرائيليون أكثر أمناً. وتظل آمال الفلسطينيين بتقرير المصير في مهب الريح. وقد حان الوقت لإعادة تقييم كبيرة وذات مغزى للسياسات الأميركية التي تسهم في إدامة هذا التشوش والارتباك.
ربما يكون الفشل الذي منيت به المقاربة الأميركية للإسرائيليين والفلسطينيين، وبقدر يماثل كثيراً للسياسات الأميركية حيال المنطقة عموماً، قد تأسس استناداً إلى افتراض أن القوة الصلبة الأميركية التي تُمارس من خلال دعم إسرائيل وغيرها من حكومات الشرق الأوسط، تستطيع الإبقاء على المعاناة المشروعة للشعوب مخبأة تحت الأغطية.
لكن التطورات في غزة، مثل تلك الجارية في مصر وغيرها، أثبتت مرة أخرى أن استخدام القوة لا يكون قادراً على توفير الأمن لإسرائيل عندما لا تتم الاستجابة للأسباب الدفينة التي تقف وراء استياء الشعب.
ويجب على حكومة الولايات المتحدة أن تسأل نفسها: ما الرسالة التي ترسلها سياسات أميركا للإسرائيليين والفلسطينيين؟
لقد ظلت سياسات واشنطن ترسل رسائل غير منتجة للفلسطينيين، والتي تزيد وحسب من حوافزهم لاستخدام العنف. وكانت السياسة الأميركية قد أرسلت إشارات في البداية لمحمود عباس، زعيم حركة فتح، الحزب الملتزم بفكرة المفاوضات، بأن المفاوضات ستفضي إلى قيام دولة فلسطينية على 22 % من الأراضي الممتدة بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط. وفي الوقت ذاته، فشلت الولايات المتحدة، التي تحتكر دور الوسيط لنفسها، في عمل أي شيء من شأنه تغيير سياسات إسرائيل الخاصة بالتوسع الاستيطاني في الضفة الغربية.
وقد عيل صبر الفلسطينيين وهم يشاهدون تضاعف عدد المستوطنين الإسرائيليين ثلاثة أضعاف بين بداية “عملية السلام” في العام 1991 واليوم. وأدرك الفلسطينيون أن الرسالة التي كانوا قد تلقوها في البداية، والقائلة بأن عملية السلام ستفضي إلى قيام دولة، كانت إما رسالة عرضت بنية سيئة، أو أنها كانت كذبة مباشرة ومن حيث المبدأ. وكانت الرسالة التي فهموها في نهاية المطاف من ملاحظة سياسة أميركا المؤيدة لإسرائيل، هي أن عملية السلام كانت مجرد غطاءٍ للنزعة الاستعمارية الإسرائيلية غير المنتهية.
وبالإضافة إلى ذلك، أرسلت سياسة أميركا إزاء حماس أيضاً الرسالة الخطأ: فبدلاً من تعزيز السلام، خلقت هذه السياسات محفزات لدى الحركة لاستخدام السلاح فقط. وقد قالت العقوبات التي تم فرضها في أعقاب الانتصار الانتخابي لحماس في العام 2006 للحركة، إن إسرائيل والولايات المتحدة ستقومان بتحطيمها ما لم تقبل بالمبادئ ذاتها التي كانت قد وضعتها ما كانت تدعى باللجنة الرباعية الخاصة بصنع السلام في الشرق الأوسط، والتي كانت حركة فتح قد قبلت بها -وتحديداً: الاعتراف بحق إسرائيل في الوجود ونبذ العنف. وبعد أن رأت ما أفضى إليه ذلك المسار الذي انتهجته فتح -لا شيء سوى الاستعمار الإسرائيلي المستمر- لم تقتنع حماس، وإنما اختارت رفض تلك المبادئ بدلاً من ذلك. وفي المقابل، تم وضع قطاع غزة تحت حصار وحشي.
ومن جهتها، استخدمت حماس نهج الكفاح المسلح لتحقيق أهداف معينة، على الرغم من الكلفة الكبيرة التي ترتبت على ذلك. وقد رأى قادتها في ترحيل المستوطنين الإسرائيليين من غزة في العام 2005 انتصاراً لنهجهم، بالإضافة إلى عودة آلاف السجناء في العام الماضي في مقابل جندي إسرائيلي أسير واحد. وقد تكون العوائد محدودة والكلف كبيرة، لكن الخيارات الأخرى عندما تكون إما الخنوع أو الحصيلة التي يواجهها الرفاق في فتح، فإن المرجح هو أن تجري حماس الحسبة ذاتها -وتختار طريق استخدام العنف في كل مرة.
وسوف يكرس وقف إطلاق النار الذي أعلن عنه الأسبوع الماضي البنية التحفيزية ذاتها. فمن خلال استخدام القوة، كسبت حماس شروطاً تفضيلية، فوافق الإسرائيليون على تخفيف العقوبات الجماعية المفروضة على الفلسطينيين في غزة، وإنهاء عمليات الاغتيال الميدانية التي تتم خارج الدوائر القضائية.
وبينما يبقى كلا الأمرين المذكورين مخالفاً للقانون الدولي بداية، ويبقى الالتزام طويل الأمد من جانب إسرائيل بهذين الشرطين غير مضمون، فإن حماس تعتقد رغم كل شيء بأنها انتزعتهما من خلال الكفاح المسلح.
وبالإضافة إلى ذلك، استرعى القتال الانتباه إلى جرح غزة المفتوح والذي نسيه العالم، فقام وزراء خارجية وشخصيات بزيارة القطاع، كما توجهت وزيرة الخارجية الأميركية، هيلاري رودهام كلينتون، إلى المنطقة من أجل الإعلان عن وقف إطلاق النار. ويكمن الخطر الفعلي في استمرار تجاهل المسوغات الكامنة وراء تعاظم مشاعر الاستياء في غزة -إنكار الحقوق الإنسانية للفلسطينيين وعزتهم وكرامتهم- بُعيد توقف الصواريخ التي استهدفت إسرائيل. وكانت هذه هي الحالة في كل مرة في السابق.
وإذن، هو فحوى الرسالة التي يتم إرسالها إلى الفلسطينيين في الوقت الوحيد الذي نعير فيه الاهتمام لمأزقهم وورطتهم، والوقت الوحيد الذي يحققون فيه مكاسب من خلال استخدام الأسلحة؟
وبالمثل، أرسلت سياستنا تجاه إسرائيل رسائل مضادة أيضاً. فعندما جاءت السلطة الفلسطينية التي تسيطر عليها حركة فتح إلى الضفة الغربية، تم ترحيل العديد من كلف كوننا مسؤولين عن الفلسطينيين الرازحين تحت الاحتلال من إسرائيل إلى السلطة الفلسطينية، بينما استمر تخندق الاحتلال وتعميقه بدون انقطاع. ولم يفض هذا إلى خفض كلف الاحتلال على إسرائيل فقط، بل انه استمر في مكافأة إسرائيل، بما أنها ما تزال قادرة على جني مزايا سياسية واقتصادية من خلال استغلال الأراضي والمصادر الطبيعية الفلسطينية.
وبالإضافة إلى ذلك، تستمر واشنطن في دعم إسرائيل اقتصاديا ودبلوماسيا وعسكرياً فيما هي تستمر في مشروعها الاستيطاني. وهكذا، لا غرابة في أننا نرى البعض في إسرائيل يستمرون في الاعتقاد بأن الاحتلال الأزلي، أو تكريس التفرقة العنصرية كأمر واقع، هي خيار سياسة قابل للحياة.
ومن خلال إدانة المقاومة المسلحة الفلسطينية بشكل ثابت، والفشل في المقابل في إدانة التمدد الاستيطاني الإسرائيلي وقمع الاستياء الفلسطيني غير القائم على العنف، تكون الرسالة التي تبعثها الولايات المتحدة للشعب الفلسطيني هي: إن كل المقاومة للاحتلال هي غير مشروعة.
وبطبيعة الحال، ليست هناك أمة على وجه البسيطة يمكن أن تقبل بذلك، كما أنه من غير العقلاني توقع قبولها بذلك.
وكانت النتائج الكارثية للبنية التحفيزية التي خلقناها قيد العرض الكامل في غزة في الأيام الأخيرة. ومن أجل التحرك إلى الأمام، ينبغي على الولايات المتحدة إعادة تقييم رسائلها التي تبعثها إلى كل الأطراف، لأننا وضعنا هذه الأطراف الآن على المسار الذي سيفضي إلى تصعيد كبير في المستقبل -والذي ربما لا يكون قابلاً لإدارته.

يوسف منيّر* – (النيويورك تايمز( ترجمة عبد الرحمن الحسيني-  الغد الاردنية .
*المدير التنفيذي لصندوق القدس.
*نشر هذا المقال تحت عنوان:
ِAmerica’s Failed Palestinian Policy

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى