![]()
السلام عليكم، سلامٌ أمزجُ فيه نعناع رامةِ الجليل، بياسمين القدس، بحلاوة رام الله، وشاي غزة، أمزجه ليكون لكم عطرًا حلو المذاق في عمّان..
نلتقي اليوم لأجل القدس.. وأتساءل من هي القدس في عيونكم؟ أهي شهابٌ سرابي، تهتف القلوبُ مهللة إذا ما لاح في السماء؟ أهي قلعةٌ عتية القوة صامدةٌ بجبروت تهزُ أعدائها، لا يزعجها غفوةَ إخوتها؟ أم تراها مدينة مقيدة منكسرة، نهشها الاحتلال؟
القدس كما رأيتها وأعيشها ليست هذا ولا ذاك، القدس في وحدتها تدرك يتمها، وتعرف كيف تمنحُ لوحاتِ الألم، ألوانَ الوجعِ والغضب فلا تكتمُ صوتَها في المُصاب، وهي ذاتها تعلمنا جميعًا حين يطلّ الفرحُ كيف يكونُ الرقص والاحتفال، فالقدس رغم كل شيء تحاول أن تكون بخير.
في الصراع الطويل الأمدِ بالنزاع على القدس، وسط استعمارٍ اسرائيلي استيطاني إحلالي، يسلب المقدسيَ أرضَه، يزور ماضيه، يهدد مستقبل بقائه، ويعكر صفو حاضره، وسط هذا كله قلّما ينتبه الفلسطيني البسيط الى الصراع الثقافي على المدينة، والى الهوية الثقافية التي بسلبها تشكل الخطر الأعمق، حين يتم تشويه هوية ورؤية الفلسطيني نفسه الى ذاته والى المكان.
ومن بين تهويد الرواية التاريخية، وتغيير الأسماء والتدخل في المنهاج التعليمي، تأتي فعالياتٌ ثقافية صهيونية بقوة مادية هائلة لتصب في بؤرة التهويد هذه، وواحد من الأمثلة مهرجان الأنوار الاسرائيلي والذي تبلغ ميزانيته عدة ملايين من الشواقل تكاد توازي ميزانية وزارة ثقافتنا الفلسطينية، هذا مثال واحد فقيسوا على ذلك عشرات النشاطات لتدركوا أي خطر يُحدق بهوية القدس الفلسطينية.
وفي ظل هذا الواقع المقيد، تلقى مهمة الحفاظ على الهوية العربية على عاتق المثقفين في المدينة، الذين يحتاجون للعمل الحثيث، والقريب من الناس، والعمل على نتاج أدبي وفني توعوي يليق بالقدس ليكون ردا، ومحاولة للحفاظ على هويتها العربية الفلسطينية.
من أهم الأنشطة الأدبية في القدس، ندوة اليوم السابع الأسبوعية التي يديرها الكاتبان جميل السلحوت وابراهيم جوهر، وهي مستمرة منذ 25 عاما. وبما أنّ التركيز في هذا المعرض على الشباب فسأتطرق الى الجهودِ الثقافية الشبابية، وهنا نرى ظواهرَ ثقافية بمبادرات آنية، وظواهر أخرى أكثر استمرارية تفرضها مراحل الصراع المختلفة. من الظواهر الثقافية الآنية، يمكن الإشارة على سبيل المثال الى دعوة جاءت تحت اسم “مش خايفين” ظهرت في العام الماضي على إثر هبة القدس، وزيادة التشديدات الأمنية على المدينة ومنع الجلوس في منطقة باب العمود، فنصت الدعوة على التجمع ظهر يوم كل خميس على مدرج باب العمود للقراءة وشرب القهوة، كرد على الاحتلال، هذه التظاهرة التي استمرت لعدة أسابيع لم يتمكن الاحتلال من منعها في فترة عقدها، لسلميتها. ويمكن كذلك الاشارة الى فعاليات ثقافية أسبوعية دعت اليها جمعية برج اللقلق خلال شهر رمضان، مما أضفى أجواءً عربية ثقافية جميلة ومهمة على المدينة. أما عن الجهود الثقافية الشبابية التي جاءت أطول أمدا فيمكن الإشارة الى عدد من الملتقيات الشبابية، التي ظهرت في المدينة، في السنوات الأخيرة، والتي تنمو وتخبو وتتجدد كل حسب ظروفها. ويمكنني هنا الإشارة الى تجربتي الشخصية في إقامة أول ملتقى أدبي شبابي في المدينة تحت اسم “دواة على السور”، برفقة صديقتي الكاتبة مروة السيوري ومجموعة من الرفاق من شعراء وكتاب شباب، حاولنا خلال فترة نشاطنا التي استمرت خمس سنوات حتى الان، إثارة الاهتمام بالثقافة الفلسطينية وتقريب الأدب من الناس، وخاصة فئة الناشئة، واتاحة الفرصة لمن يبحث عن منصة من جيل ناشئ في العثور عليها عندنا، كذلك عملنا على التواصل الأدبي بعقد ندوات في عدة مدن كانتا عمان وإربد إحداها. جاءت هذه التجربة كجزء غني من حياتي الثقافية في المدينة، وهذا العمل في التواصل مع الجمهور والقراء، وسمع نقدهم وأسئلتهم مباشرة هو عنصر مهم في رؤيتي من عناصر الكتابة، ومن موقعي ككاتبة في المدينة.
من جهة أخرى يأتي الانتاج الأدبي والكتابة عن القدس ومنها، وهو لا بدّ أن يتصل كأي فعل كتابي بالقراءة والاطلاع والتجربة من معايشة المكان. الكتابة عن هذه المدينة هي مسؤولية كبرى لأنّ القدس لا تشبه إلا ذاتها، ففي القدس لا تستطيع أن تلقي الى حضن المكان نظرة دون معنى، فخلفَ أيِ ركنٍ قد تنكشف لك عوالم كثيرة. ووجدتني منذ عشرة أعوام إذ انتقلت للسكن في المدينة للدراسة الجامعية أقع في عشقها وتنمو يومًا بعد يوم علاقة فريدة بيننا، الأمر الذي تجلى في كتاباتي عنها والتي جاءت بداية لتكون المدينة أحدَ أمكنة قصة طويلة لي عنوانها مراوغة الجدران، ثم قصص قصيرة حازت إحداها وهي قصة “العصافير لم تخلع أثوابها بعد” على المرتبة الأولى لجائزة نجاتي صدقي عن وزارة الثقافة الفلسطينية، وكتبت مرافقًا لهذا القصائد النثرية والنصوص المتنوعة عن المدينة وِفقا لتجاربي واطلاعاتي المختلفة عليها. في معايشة المدينة الكثير من المزايا، من أبعاد الشقاء، ومن أبعاد الفرح، وشعرت عامًا إثر عام كم من الصعب أن يفهم من هو بعيد عن القدس حقيقة الحياة فيها، وتساءلتُ لسنين عن سر عشقي لها؟ وفي البحث عن اجابة طورتُ أسلوب كتابتي لليوميات، محاولة تقديم أسلوب جديد لكتابة هذا النوع من الأدب، لأقدم المدينة بجوانبها المختلفة جغرافيا وتاريخيا وإنسانيًا، بقضايا مختلفة تلامس حياة المقدسيين.. جاء كلّ هذا في محاولة لإجابة ذاتي أولا، ولإجابة من يسألني لماذا القدس هي القدس؟
فخرجتُ هذا العام بعد عمل استمر أربعة سنوات من تقاسم رغيف الحياة والموت، والفرح والوجع مع القدس بمعظم أزقتها وأحيائها بإصدار تحت عنوان “أسرار أبقتها القدس معي..” هذا الكتاب الذي يزيد عن أربعمئة صفحة، لم يتسع لكل ما قالته القدس لي، ولا بدّ أنّه إجابة قصيرة إزاء مدينة القدس، لكنّ لا بد وأن يكون رشفة ماء تروي بعض عطش المعرفة عن المدينة.
وأود أن أقرأ من أجواءه هذه الفقرة على مسامعكم.
(تزدحم الأصوات في رأسي.. تنهكني.. وتحقنني.. وأغضب.. فألجأ إليها..
وأتركها تأخذني كيفما تشاء،.. لتحمل عقلي وعينيّ وجسدي كيفما ارتأت.. أسيرُ وتسيّرني..
تتقاذفني الأزقة وترفعني انحناءات الأقواس، وتدهشني للمرّة الألف أو أكثر.. لتفعل ما أرادت.. لتأخذ عنّي كل سقم يومي.. وحزني وغضبي ووجعي من الكلمات الدخيلة الغريبة.. من الوقاحة.. ومن تبريرات الأيدي الملطّخة بالدماء.. تعبتُ.. سئمتُ.. ودخانُ قلبي المحترق غضبًا يخنقني..
لا أريد أحدًا سواها يحمل عني كربي..
وأسيرُ، ولا تهمني فوهات البنادق عند شقوق السّور، ولا في الزوايا.. ولا عيون زُرعت عند كل عقبة.. تفاجئها وتفاجئني..
لا يهمّ.. لا يهمّني.. ما دمت هنا.. وما دامت تحضنني فهي كل شيء..
أسيرُ أسمعها.. لتقل ما تشاء.. لينفجر رأسي من كثرة الكلام.. لا يهمّ..
لترفعني بين النوافذ والشرفات.. ليخطفني شعاع نور تسلل بين الأبواب العتيقة.. وتيه بيوت حجارتها تعانقت، وما تركت لنا مسربًا.. لتتسرب الروائح والأصوات إلى جسدي.. ليتسلل مني صخب يومي وأمسي.. لتحتلني كيفما أرادت.. لن أقاوم..).




