الرئيسيةزواياثقافة وادبضمن فعاليات مهرجان رام الله للرقص المعاصر "أنا أسمع (أنت) ترى" .....

ضمن فعاليات مهرجان رام الله للرقص المعاصر “أنا أسمع (أنت) ترى” .. عرض تونسي يرقّص العمّال الكادحين!


الايام – يوسف الشايب:أن تكون على خشبة المسرح ذاتها، حيث الأداء على أشده، ولو متفرجاً، الأمر مغاير بلا شك، ثمة قرب أكثر ليس فقط من أجساد الراقصين الثلاثة حمدي دريدي، وحسام بوعكروشة، وفاتح الخياري، وهم يقدمون عرضهم “أنا أسمع (أنت) ترى”، بل من تحولات ملامحهم، ونقاط عرقهم التي تقطر على أرضية خشبة المسرح البلدي في رام الله، كما كانت النقاط المفترضة تسقط من السقف المفترض في داخل الدلاء السوداء، ولو إيحاءً وصوتاً في ذلك العرض الذي كان في اليوم الثاني لمهرجان رام الله للرقص المعاصر، وتنظمه سرية رام الله الأولى.

والعرض التونسي الذي صممه دريدي نفسه، ينطلق من معاناة العمّال ويومياتهم، لتقديم لوحات راقصة عميقة المعنى والمبنى، ومفتوحة على التأويلات، لاسيما في الجزء الثاني منها، ففي العرض كله تتحول تلك الحركات لعمّال البناء على وجه التحديد إلى حركات راقصة، فيما الأصوات المحيطة بهم عادة هي الأصوات التي تشكل الخلفية غير الراقصة للراقصين.. هي ليست موسيقى حيّة، لكنها حياة بأكملها، بل حيوات نقلها حمدي ورفاقه، الذين كانوا قريبين منّا نحن من اخترنا أن نحيطهم من ثلاثة اتجاهات على ذات الخشبة، بينما فضل آخرون البقاء في مقاعدهم كالمعتاد والمراقبة عن بعد.

في الجزء الثاني كان للموسيقى دورها في العرض، وشاركت السمّاعة الكبيرة المعلقة في اللوحات الراقصة، هي التي خزنت الأصوات، أو اختزلتها، أو حتى أطلقتها، وكأنها استعادة ما لما سبق، ولكن بشكل إلكتروني ما، للتأكيد على ذلك التجريب على المستوى الكيروغرافي، والمتمثل في التماهي ما بين الحركة والصوت بتشكيلاتهما المتعددة، وبإمكانية تحويل الأصوات والممارسات اليومية، الحركة للعمّال، وخاصة عمّال البناء، بكل طاقاتها ونطاقاتها إلى لوحات راقصة، وهو هنا، أي العرض أو حتى مصممه، يصل بنا إلى مرحلة الانصهار ما بين الحركات المتعبة لعمّال البناء على المستويين الجسدي والذهني، وما بين الحركات ذات الصبغة الفنية لجسد الراقص، وكأنها مساحة حرّة من الحوار، تجاوزت الحدود الزمكانية، وحتى حدود الشريط اللاصق الذي لم يدم طويلاً على خشبة المسرح.

أقحمنا دريدي ورفاقه عنوة، في عالم ليس خفياً عنا تماماً، في “أنا أسمع (أنت) ترى”، في دواخل هؤلاء العمّال، وعوالمهم الجوّانية الخفية إلى حد ما، حيث الأفعال ما بين “المسطرين” و”المتر” و”السطل”، و”اللزيق الأبيض”، وغيرها من تكوينات الورشة، وحيث الحركات الجسدية المواكبة لهذه الأفعال للعمّال تستحيل رقصاً مليئاً بالعرق والتعب، حتى تخال أن ثمة تجسيداً مدروساً، وهو غير محمود هنا، في بعض اللوحات، ما يكسر حالة التماهي التي هي سائدة في غالبية الوقت على مدار الخمس وأربعين دقيقة، مدة العرض.

وما بين أصوات حيّة، وصمت، وما بين حركة وجمود، وما بين تغيّر في رؤية الاتجاه، ومن ثم ما بين موسيقى وصمت، وحركة أكثر صخبا، ومع التغيّر في اتجاه الرؤية، ومع التكرار الروتيني، يستحيل العرض عدسة مكبّرة ليوميات هؤلاء العمال، الذين يحمل كل منهم قصته وذكرياته وحاضره ومستقبله المتواري في صوت، تتجمع أصوات داخل السماعة التي تعكس اضطرابهم واضطرابنا ربما.

يقدم الراقصون الثلاثة عرضاً جديداً وجدّياً، ولافتاً على مستوى السعي الدؤوب للمحافظة على السير ببراعة في إطار سكة التماهي مع العمّال، الذين قد يكونون هم أنفسهم، أو أشباحهم ربما، فيحوّلون خشبة المسرح مكاناً سحرياً له طابعه الخاص، مؤكدين قدراتهم العالية التي تمكنت من تحويل الفعل العادي العابر للبصر في يومياتنا إلى عمل راقص مهاري، انتزع بجدارة إعجاب العديد ممن تابعوه.

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب