
منذ انبثاقها وحتى اليوم مثل الثابت في سياسة اسرائيل بيسارها ويمينها بأنها سياسة استيطانية استعمارية شاملة لبعدين: الأول منهما يتعلق بالسيطرة على الأرض، أما الثاني فهو استئصال الشعب الآخر، إما بالطرد، أو بالإخراج من إطار المواطنة بأشكال مختلفة.
في سياق هذا المشروع كانت أطروحة ” السلام” لعبة خداع هدفها التغطية على السيطرة المتدرجة على الأرض. حيث تفاوتت هذه السياسة بين ممارسة الاستيطان الاستعماري الداخلي في مناطق فلسطين ١٩٤٨، وممارسة الاستعمار والتحكم من الخارج مع قطاع غزة( إلى حين) بعد انسحابها منها عام ٢٠٠٥، والذهاب نحو مزيج من الاستيطان الاستعماري والابارتهايد والحكم العسكري في الضفة الفلسطينية، وهذه ليست إلا تفاوتات جزئية في إطار مشروع استيطاني استعماري يسعى لقضم الأرض الفلسطينية وكذلك العربية( حيث ضمت هضبة الجولان السورية لإسرائيل والتي لها مطامع إقليمية أخرى تتجاوز حدود فلسطين مثل مطامعها القديمة في الأردن والتي يعاد بعثها من جديد).
تدعي هذه المقالة الموجزة أن قطاع غزة ليس في النهاية خارج هذا المنظور التوسعي الاستيطاني الاستعماري لإسرائيل، مثله في ذلك مثل القدس والضفة الفلسطينية وأراضي فلسطين فيما قبل عام ١٩٤٨ ، وإن تم الانسحاب من داخله عام ٢٠٠٥، وأنه يجب الحذر من اثارة أوهام تذهب بغير هذا الاتجاه.والسطور التالية موجهة للتحقق من هذا الادعاء.
يجدر الإشارة ابتداءا إلى أن التصور الاسرائيلي بشأن غزة قد كان دائما في إطارا استيطانيا استعماريا، ويكفي للدلالة على ذلك أن لواء غزة حسب تقسيم عام ١٩٤٥ والذي كان يضم قضائي بئر السبع وغزة ، قد مثل اكبر ألوية فلسطين مساحة في حينه حيث بلغ ما يزيد عن نصف مساحة فلسطين كلها. وفي عام ١٩٤٨ قامت اسرائيل بالتهام ٠٧’٩٧ بالمئة من مساحة لواء غزة ، وطردت القسم الأكبر من المواطنين الفلسطينيين المقيمين عليها، ولم تبق للغزيين سوى مساحة ٣٦٠ كم مربع هي قطاع غزة الذي تضاعف عدد سكانه في ذلك العام نتيجة لطرد اسرائيل ل ١٩٠ألف لاجئ غالبيتهم من لواء غزة إليه. ( جهاد البطش، ٢٠٠٣، ص٢٠، ٢١، ٣٣). وعليه وبعكس الانطباع القائم عن قطاع غزة وكأنه تحرر داخليا عام ٢٠٠٥، تجدر الإشارة الى هذه الحقيقة التاريخية بأن قطاع عزة لم يمثل إلا جزءا صغيرا من لواء اكبر هو لواء غزة قبل عام ١٩٤٨، والذي التهمت ٩٧ من ارضه اثناء النكبة في ذلك العام. إذن فإن قطاع غزة الصغير يعيش في إطار استيطاني استعماري أوسع منذ عام ١٩٤٨ يعيش فيه المستوطنون المستعمرون بحرية في لواء غزة السابق ، فيما يعيش فلسطينيو قطاع غزة في سجن فقير ومكتظ بالسكان ، سيما منذ احتلاله من قبل اسرائيل عام ١٩٦٧، وذلك إلى حين .
بعد احتلال عام ٦٧ طرح يغئال الون وموشيه ديان ضم قطاع غزة إلى إسرائيل وتفكيك المخيمات فيه. وفيما بعد طرح رئيس الوزراء الاسرائيلي السابق مناحيم بيغن على الرئيس المصري انور السادات اعادة قطاع غزة للحكم المصري وذلك اثناء مفاوضات كامب ديفيد في أواخر السبعينيات من القرن الماضي. وجاءت المرحلة الثالثة خلال مفاوضات أوسلو حيث طرح الاسرائيليون استعدادهم لقبول كيان مستقل يشمل ميناءا ومطارا في قطاع غزة . ومع فشل هذا الحل قصفت إسرائيل المطار والميناء اللذين تم إنشاؤهما في التسعينيات من القرن الماضي ودمرتهما خلال الانتفاضة الثانية. تلى ذلك الانسحاب الاحادي لدواع ديمغرافية عام ٢٠٠٥، والانتقال إلى مرحلة رابعة اسرائيليا اسمها إنشاء كيان في قطاع غزة ليس مستقلا هذه المرة كما كان الطرح في مفاوضات أوسلو ولكن ككيان تحت السيطرة الاسرائيلية ، وشمل ذلك اطروحات مثل إنشاء رصيف في ميناء لارنكا القبرصي تقوم إسرائيل على تفتيش البضائع فيه قبل نقلها إلى غزة، ومثل مشروع يسرائيل كاتس وزير المواصلات الاسرائيلي لإنشاء جزيرة صناعية قرب شواطئ غزة يقوم فيها ميناء ومطار تحت إشراف إسرائيل ، وينقل منهما البضائع إلى غزة عبرطريق يتم انشاؤه في البحر. كما طرحت مشاريع أخرى لمطار في العريش وغير ذلك.
بعد ذلك انتقلت إسرائيل إلى المرحلة الخامسة وهي المرحلة الأخيرة حتى الان والتي لم يعد مطروحا فيها سوى استمرار الحصار الذي فرض على على قطاع غزة منذ تسعينيات القرن الماضي وجرى تشديده عاما بعد عام ، مع تخفيفه بتلبية بعض إلحاجات الإنسانية وبشكل مؤقت والرفع الجزئي لبعض من قائمة البضائع التي تمنع اسرائيل دخولها لقطاع غزة، وذلك كلما هدأ الوضع الأمني وعلى طريقة جرعات التخدير التي تمنع انفجار الوضع الغزي انفجارا شاملا في وجه إسرائيل. هنا لم تعد الحلول السياسية السابقة مطروحة ، بل ( وفي ضوء إقرار قانون القومية العام الفائت) اصبح المطروح لا يتعدى تلبية بعض متطلبات الحقوق المدنية والدينية الفردية، وبشكل مجزوء وغير دائم، ومرتبط بالتزام قطاع غزة بالهدوء وعدم القيام بأعمال ضد اسرائيل، وذلك بدون طرح أي حقوق جماعية لأهل القطاع، وفي إطار من إدارة النزاع الذي يخفف الحصار عندما تتوقف الهجمات ، ويشدده عندما تتجدد. أي حالة غير مستقرة بين الهدوء والتصعيد في ظل وضع من الحصار الذي يجعل الوضع هشا وقابلا للانفجار في أي وقت.
تجاوزا لأسلوب إدارة النزاع ، عادت أيضا الأصوات لترتفع مطالبة بحل جذري عبر احتلال القطاع واعدة ضمه لإسرائيل، ويشمل ذلك ٣ احزاب تتضمن برامجها الكاملة على صفحاتها الإلكترونية ذلك وهي احزاب اليمين الجديد، وزيهوت، واتحاد احزاب اليمين. الاخير نجح في الانتخابات الاسرائيلية يوم ٩ نيسان الجاري ، أما الأخريان فقد كادا يجتازان نسبة الحسم ويحصلان بالتالي على ثمانية مقاعد في الكنيست الاسرائيلي. وما عدا هذه الاحزاب هنالك أصوات متصاعدة في حزب الليكود، وكذلك حزب اسرائيل بيتينو بقيادة أفيغدور ليبرمان التي تدعو الى اجتياح شامل مجدد لقطاع غزة ضمن حملة برية شاملة.
بناءا على ما تقدم، فقد بات علينا ان لا نراهن ان إسرائيل ستمنح قطاع غزة كيانا ولو تحت السيطرة، فهذا الطرح اصبح من الماضي سيما بعد قانون القومية وتوجهات احزاب اليمين الجديدة وغيرها، و” الحل الاسرائيلي” لغزة يتراوح اليوم بين اتجاهين:
الأول منهما يرى ابقاء غزة تحت الحصار( المشدد تارة والمخفف تارة أخرى) وعلى حافة الهاوية وإدارة وضعها من خلال توفير مساعدات إنسانية مجزوءة للسكان بين وقت وآخر، وذلك من أجل ابقائهم على قيد الحياة ، ضمن نظام من التقتير وتوفير ما لا يسد الرمق بشكل كامل ، وهو ما سماه دوف فايسغلاس مستشار رئيس الوزراء السابق ارئيل شارون ” بإبقاء غزةفي حالة حمية” أو ” حالة دايت” . ويلاحظ أن نتنياهو قد واظب لاحقا على استخدام هذا النهج.
أما النهج الثاني فيرى ضرورة اجتياح غزة، وإعادة الاحتلال الاسرائيلي اليها. ويرى الجزء الأكثر تطرفا من هذا النهج الثاني ضرورة طرد أهل غزة إلى مصر، سيما اللاجئين منهم، وذلك بعد تفكيك المخيمات، هذا فيما يتم تهجير مواطني قطاع غزة منذ سنوات وفق أسلوب ما يسمى ‘ بالتهجير الصامت’ الناتج عن ضغوطات الحصار الاسرائيلي على غزة، والذي بلغ عشرات الآلاف ممن غادروا قطاع غزة في السنوات الأخيرة الى أوروبا وتركيا وغيرهما كما تشير مصادر متعددة. لذا من المناسب التحذير من هذا التفريغ المتدرج للقطاع من سكانه، وضرورة رسم سياسات وبرامج لوقفه.
من المناسب التنويه أن النهجين الاسرائيليين المذكورين اعلاه مختلفين حول إما تقديم المساعدات الإنسانية ل” سكان” غزة مترافقا مع ابقاء غزة تحت الحصار المسبب للتهجير الصامت، أو طردهم بالقوة مما يعني جعل اسرائيل غير مسؤولة بالمطلق عنهم حتى انسانيا.
أما بشأن حماس فإن هذين الاتجاهين متفقان حول ضرورة تركيعها وتجريدها من السلاح. الأول عبر ابقاء حالة الحصار والتفاوض غير المباشر في ظله معها على إجراءات إنسانية تخفيفية ، مشروطة بالتهدئة التي ستجعل سلاح حماس يتلف في المخازن على مر الزمن، كما يجعل من الممكن تركيعها وإنزال سقفها السياسي بشكل متدرج، ويخلق لها مشكلة مع فلسطينيي القطاع جراء عدم قدرتها على توفير متطلبات المعيشة كاملة لهم مما يزعزع حكمها . أما الاتجاه الثاني فيرى ضرورة إنهاء حكم حماس بالقوة. كلا الاتجاهين لا يعترف بحماس ، ولكنهما يختلفان حول وسائل إسقاط حكمها : الأول عبر مزيج من الوسائل السياسية والضربات العسكرية الموسمية سيما من الجو، أما الثاني فلا يعترف سوى بالوسائل العسكرية لاسقاط حكم حماس ، بما فيها الاجتياح البري.
في هذا الإطار يرى الاتجاهان استمرار فرض الحصار على قطاع غزة، بديلا للاعتراف بكيان في غزة تقوده حماس طالما هي مدججة بالسلاح. وكلاهما لن يعترفا بحماس كحاكمة لكيان حتى بعد أن تتجرد من السلاح وتتجه للتفاوض مع اسرائيل مدعومين بهذا الاتجاه من الادارة الأمريكية وصفقة القرن التي لا ت
تحوي اكثر من رشاوى إنسانية للفلسطينيين مقابل إسقاط الحقوق السياسية.
لنا عبرة مما فعلته اسرائيل مع السلطة الوطنية الفلسطينية في الضفة، فبعد أن اختارت نهج السلام الكامل ذهبت باتجاه هدفها الأصلي لإبتلاع الأرض وضمها كليا أو جزئيا الى اسرائيل بدون اعتبار للسلطة ولا لتوجهها السلمي. وهنا يجب فهم منظومة السلام في نطاق المشروع الاستيطاني الاستعماري، حيث لا تعدو دعوات السلام الاسرائيلية من أن تكون مجرد ” وقت مستقطع” من أجل الاستمرار خلاله بنهب الأرض، فيما تمارس السلام كلعبة علاقات عامة من خلال وعود معسولة تعتبر مجرد ضريبة كلامية وليست للتطبيق.
على حماس أن لا تلدغ من نفس هذا الجحر، عبر التوهم بأن اسرائيل قد اعترفت بها ” كرقم صعب” وكقائدة لكيان نتيجة مقاومتها كما يقال. فالتصريحات والتحليلات الأسرائيلية لا تقول بالاعتراف بحماس، وإنما تقول بتركيعها بتدرج أو إنهاء حكمها بالقوة.
يجب التنويه ايضا إلى وضع آخر طرحته اسرائيل مع الضفة في سنوات التسعينيات من القرن الماضي، حيث قيل : ” سنعطيهم حكما ذاتيا، وعلما ونشيد وسلطة” وإذا أرادوا الادعاء بعد ذلك ان هذه الرموز تعني دولة فلسطينية، فلهم ذلك، وإن كانت في الواقع مجرد سلطة على السكان دون الأرض التي تبقى بيد اسرائيل”. كان هذا الطرح الاسرائيلي طرحا مؤقتا للتغطية على استمرار ابتلاع الأرض، ثم ضمها إلى اسرائيل بغض النظر عن توجهات ومواقف السلطة الفلسطينية.
لحماس ايضا أن تحذر من هذا الفخ بتوهم أن اسرائيل تعطيها كيانا تحكمه، فيما لا يقول بوجود هذا الكيان غير حماس نفسها فقط، وإن توهمت إعتراف الآخرين به.
الثابت الاسرائيلي هو ابتلاع فلسطين ويليه التقدم نحو العالم العربي، أما المتحول فهو المفاوضات المباشرة وغير المباشرة، وأساليب التهدئة والخداع والانسحابات المؤقتة والجزئية كما جرى في المنطقة المسماة أ من الضفة في سنوات التسعينيات من القرن الماضي، وقطاع غزة عام ٢٠٠٥. وقد علمت التجربة أن الثابت هو المستمر، أما المتحول فهو قابل للتغير والتراجع عنه، حيث أن وظيفته لا تتجاوز توفير الوقت المستقطع من أجل توطيد الثابت وتكريسه. لهذا لا تثقوا بالمتحول المطروح، ولا تحولوا الاطروحات المؤقتة الى نتائج ذات بعد بعيد المدى، مثل التصديق بأن اسرائيل وأمريكا تريدان تصفية القضية الفلسطينية عن طريق إنشاء كيان في غزة ، فحتى هذا الطرح لم يعد مقبولا على المشروع الاستيطاني الاستعماري الذي سينظر بخطورة بالغة لاستمرار وجود كتلة فلسطينية كبيرة( غالبيتها ايضا من لاجئي ٤٨ الذين يرنون لحق العودة) . ولا تصدقوا أي شيء مما تقوله اسرائيل بطابعها الاستيطاني الاستعماري ، ولكن انظروا الى افعالها على الأرض وآثار هذه الأفعال على المدى البعيد باتجاه التصفية الكاملة للشعب الفلسطيني كله طالما بقي الوضع الدولي داعما ، وبقي الوضع العربي والفلسطيني غير قادرين على عكس المسار.




