كتبت بديعة زيدان:
“سوف أحتاج عاماً
لأعرف أسماء أشجارها
والنباتات والزهر والطير
أو أعرف اسمي أنا ها هُنا
وهنا يُحسن الشعر
فاكتب كما تشتهي يا غريب،
هنا تشتهيك الحروف”.
بهذا المقطع الاستعاديّ من قصيدة الشاعر الفلسطيني الراحل مريد البرغوثي “خلود صغير”، على شاشة كبيرة في قصر الثقافة بمدينة الحسين للشباب في العاصمة الأردنية عمّان، كانت انطلاقة الأمسية الشعرية الأحدث للشاعر تميم البرغوثي، تحت عنوان “نشيد مريد”.
البرغوثي الابن، وفي الأمسية التي نظمتها مؤسسة عبد الحميد شومان، مساء أول من أمس، قدّم مرثية لوالده الراحل في شباط الماضي، عبر قصيدة واحدة طويلة ومؤثرة حملت اسم الأمسية نفسه، وسط حضور كثيف غصّت به قاعة القصر، وتفاعل كبير كما كان متوقعاً.
واختزل تميم البرغوثي مطلع أمسيته بالإهداء في كلمة واحدة: “له”.. قبل أن يبدأ بمطلع “نشيد مريد”، القصيدة الملحميّة:
“مريد نشيدي وهذا النشيد يظلّ مريداً بباب مريد
كأن كلامي أنا يا أبي وأنا ابن ثلاث ونحن نسير يداً بيد
فأمدّ خطاي وأركض ركضاً لعلي أجاري خطاك وأنت تسير ببطء لأجلي
أمامي الطريق وعيني عليكَ
كلامي أنا وأنا ابن ثلاث بأول صف بأمسية أنت سيدها
وأقوم لكي لا تخبئني حافة المسرح الخشبي.. أمدّ يديّ بزنبقة وأشبّ بجسمي وروحي
لعلي أصير إلى مستوى قدميك.. تراني فتحملي ثم ترفعني بيديك
مريد إليك الروح تهدي ورودها
ضباءً ضماءً من يديك ورودها
وشعري كبنت الخمس تتعثر إن مشت وشِعرك حوراء الجنان ورودها
ليصعد إليك نشيدي إذاً كطالب علم لدى الممتحن
وطير سيسقط إن لم تعْنِه.. وإن لم تعْنِه فليس له أفق أو وطن”.
ودمج تميم بين حكاياته مع والده، وحكاياته مع والديه مريد ورضوى، وعلاقة الاثنين ببعضها البعض، وعلاقتهما بفلسطين، التي حضرت في تفاصيل كثيرة من القصيدة بشكل مباشر، أو رمزيّ، وحضرت حالة الخذلان الجمعية المتواصلة منذ الاحتلالات السابقة وما قبلها وما بعدها، وحالة اليأس التي يعيشها الشارع الفلسطيني والعربيّ إلا من خيّالة هنا وهناك.
واستعار البرغوثي، من أبي الطيب المتنبي كبرياءه وعنفوانه، في “نشيد مريد”، القصيدة التي امتدت لقرابة ساعة ونصف الساعة، قبل أن يركب موجة أكثر من بحر، بتتابعية سريعة تتناسب وسرد الذكريات والمحطات المُستعادة من حيوات مريد ورضوى ومعهما هو نفسه، فغصّت القاعة بالحزن كما بالجمهور، وبالغضب أيضاً.
واتكأ تميم على الموروث التاريخي مراراً، مستعيراً رموزاً تاريخية على أكثر من صعيد، وكذلك الموروث الديني، والموروث الأسطوري، ليعلن أن الشاعر يبقى بديمومة الشعر.
وشكر تميم البرغوثي الجمهور الكثيف الذي أمّ الأمسية، مخاطباً إياهم بأن “حضوركم هو تكريم لمريد البرغوثي ولي”، مثمناً تنظيم مؤسسة عبد الحميد شومان للأمسية، وهو الذي كان قال في تصريحات إعلامية، قبل الأمسية: إنها تأتي بمثابة تأبين لمن عملُه الشعر، خاصة أنه لم يحظ بجنازة لائقة بسبب انتشار الوباء.
وكشف البرغوثي أنه سعى أن تكون أمسية السلام على روح مريد هذه في القدس، لكن “يبدو أن الاحتلال يخشى كل ما هو فلسطيني، حتى الشعر والكلام”، فكان الخيار بعد تعذّر إقامة الأمسية هذه في القدس، أن تكون في المكان نفسه الذي احتضن الأمسية الأخيرة التي جمعته بوالده.
وكان نزار الحمود، رئيس فريق خدمات القراء الإلكترونية في مؤسسة شومان، قد قدّم الشاعر تميم، مطلع الأمسية، قائلاً: كل الكلام مباح حين نسرد حكايات الآباء، كل التراتيل موشومة بالعشق حين ندوزن حبّنا لمن وهبونا الحياة الأولى والخطوة الأولى، ومن مسحوا عن خدّنا دمعتنا الأولى.. يهلّ تميم علينا بكل ما اختزنه من حزن وشوق، وهو ينثر في سماء عمّان “نشيد مريد”، أو الكلام المؤجل من ابن لأبيه الغائب، أو البوح في درجات الصوفية، أو تقاسيم عشق لم تخفت لحظة رغم البعد، ووطأة الذكريات.





