الايام -بديعة زيدان:ليس مهماً ماهية كاتب سيناريو حصار كنيسة المهد، حامل الكاميرا أو حامل روحه بجوار سلاحه داخلها، الميّت الحيّ، الجثمان “العائد من القيامة”، بعد نجاة تتأرجح ما بين أحداث لم تأخذ حقها في السردية الفلسطينية، النصيّة منها والبصرية، ليواصل الروائي الفلسطيني وليد الشرفا بثبات ما على مستوى اللغة الرفيع، والحبكة المتينة، حياكة نص روائي يواصل فيه مشروعه الإبداعي، حمل هذه المرّة عنوان “أرجوحة من عظام”.. المهم أننا، وعبر شخصية “يوسف” الفلسطيني السارد ومقارعته للإسرائيلي “إيلي” بحجة التراب والدم والماء، نجد أنفسنا أمام “رصاص يقرع الجرس”، يحاول من خلاله السارد ألا يحتكر فعل اللاموت، بل ينقله ولو عبر طريق منحدرة، أو باب مستطيل، ولو بعينين مغمضتين عابراً الأرض الفسيفسائية إلى “أبو عديّ”، و”كامل”، و”عطا”، و”حسين”، وغيرهم من المحاصرين.
ما بين كنيسة “المهد” في بيت لحم المدينة، ودير “مار سابا” حيث يحظر دخول النساء والتفّاح إليها، هناك في “العبيدية” المُجاورة، كي “لا يختلط الإيمان بالغواية في هذا المكان المقدس”، تتأرجح عظام رواية الشرفا، الصادرة عن دار الأهلية للنشر والتوزيع في عمّان.
ثنائية الكنيسة والدير، تجسّدان هنا مكانين للقتل في زمن الحصار الكبير إبان “انتفاضة الأقصى” وللاستشفاء، بل مكانين للربط ما بين واقع وتاريخ ملتبسي الحقيقة، فلا حقيقة في السرد كما في كتب التاريخ وفي الواقع المعيش أو اللامعيش.
ومن هنا يربط الروائي الكاتب للنص وفيه، ما بين شخصيات مُعاصرة أو كانت مُعاصرة حتى وقت قريب، وما بين شخصيات باتت ترقد في أتون كتب التاريخ وروايتها المُلتبسة كـ”مار سابا”، الذي اختار له وصف “القديس”، في أطروحة سرديّة، يعرّي فيها ذلك الفكر العنصري الفاشي للمُحتل، حتى فيما يتعلق بأحقيّة الاستشفاء، ما بين ذابح وذبيح، فمَصدر الموت ومُصدّره متمثلاً في شخصية “إيلي”، يسعى لمصادرة الحق في الاستشفاء ممن نجوا من طلقات في الرؤوس كادت تجعل منهم جثثاً في أكياس، رغم أنهم خرجوا بجروح لا تزال تنزّ كما الذاكرة، أو تتضخم كما شريان قلبه الأبهر، وبعظام محطمة كليّاً أو جزئياً.
هناك في الطريق إلى حيث لا نساء ولا تفاح، يتلمّس الراوي طريقه نحو سكينة منحه إياها جثمان جاره الشهيد مجهول الهوية الذي لم ينجُ من المجزرة، وهي طريق لم تكن ملتوية، حيث تم شقها وتحسينها في العام 1965، وبعد خمسة عشر قرناً من الغياب ومن الطين والتراب المُعفر، لإيداع بقايا جثمان “القديس مار سابا” في الدير الذي بات مهجعاً أبدياً له.
وفي الطريق نحو السكينة المنشودة وفيها، يستعيد الروائي صوراً من كاميرا ذاكرته في الكنيسة قبل الخروج منها شهيداً مع وقف التنفيذ، حيث “الظلام، والبرد، وصراخ الجرحى، ورائحة دم قدم أبي عدي، وعشرات المقاتلين في الداخل، والرهبان وبعض الصحافيين، وحيث “لا أنوار، ولا ماء، ولا كهرباء، ولا طعام”، وحيث “تقترب الدبابات مثل زواحف حديدية جبّارة”، وحيث “يعرفُ الكثير من المطلوبين بعضهم بعضاً”، وحيث “يجتمع الرهبان، وينتشر الضجيج بين الأقواس والجدران والرسومات”، وحيث “الأجساد المتعبة المكدسة” أيضاً، فتبدو الكنيسة كمصيدة، بينما تبرز الدبابات بفوهاتها وبنادق القناصة بعيونها، وبدخان “يزمجر فتبلغ رائحته أنوف المحاصرين”، إلا من “جروح ودم وسلاح خفيف”، وصعود لم يكتمل لقارع أجراس الكنيسة، لعله يعيد صوت الحياة والسكينة إليها.. يقرع سليمان “الجرس الإلهي”، ومع القرعة الثالثة للجرس تخترق رصاصات قلبه، ليلفظ أنفاسه الأخيرة على وقع مكبرات الصوت الداعية للاستسلام كشرط لتقديم العلاج أو الدواء.
المخرج والسينارست والروائي في هذه السردية، يتحدون في ذات واحدة، ليس فقط ليسردوا حكايات من هم في الكنيسة وفي الدير، كالراهبة ماري التي تحاول معالجة المقاومين بالماء المُقدس، وحنّا، وكامل الذي يحمل بندقيته الرشاشة بيد واحدة بعد تسعة أشهر على بتر يده الأولى، والقديس سابا، ومحمد الذي عاجلته رصاصة قنّاص قبل وصوله إلى البئر الكنسيّة، بل ليبرهن على أحقية الفلسطيني، ليس فقط في الاستشفاء، بل في التراب أيضاً.
هذا يتبدى عندما يطلب المعالج القديس “سابا” من يوسف أن يأتي بتراب من جغرافيا مسقط رأسه ويفضل أن يكون من حيث كان والده وجدّه، وهو ما يفعله الفلسطيني، في حين يعجز “إيلي” الغاصب المتعجرف بقوة السلاح في محاولة لاحتلال حتى الحق في العلاج، عن تلبية طلب “القديس” هذا، بل يغيب عن الدير، قبل أن يأتي بتراب لا علاقة له بترابه وتراب أجداده، ليبدأ يوسف دون إيلي بالاستشفاء تدريجياً بفعل ماء التراب.
يكشف حنّا ليوسف أن “إيلي أحضر تراباً مزيفاً للقديس، فقد طلب القديس سابا منه تراباً عاش عليه والده، والتراب الذي عايش ولادته هو هنا في إسرائيل”، فيقاطعه يوسف بأنها فلسطين، قبل أو يواصل حنّا إن القديس وصف التراب بالمزيف، “فاعترف له إيلي بأن والده من مواليد أوكرانيا، هو لا يعرف منزله ولا التراب الذي عايشه، وهو ولد في كيبوتس جهة الجليل، ولم يعمر في منزله بعكا كثيراً قبل أن يستقر في المستعمرة ما بين نابلس ورام الله”.
و”إيلي” هذا “يطلب الشفاء بالقوة.. ربما اعتقد أن الله يخاف منه مثلما فعل مع يعقوب”، فالأخير كان يمتلك جسداً قوياً، و”إيلي يمتلك مسدساً، وحاجزاً، وطائرة، ويمتلك الرب أيضاً”!
وتتجلى الفكرة بصورة أكبر على لسان يوسف حين يقول ذات صفحة، إن صورة “إيلي” لا تفارقه، هو “اللاهث، الذي يقتلني ويأتي ليسرق الشفاء منّي”.
سيعلم يوسف بعد عودته إلى الكنيسة شيئاً عن مصائر من كانوا محاصرين فيها، قبل أن يلتقي مصادفة بـ”إيلي” على مقربة من الدير، ما بين صعود وهبوط، فينشب بينهما عراك هو الأخير في سطور الرواية، لكنه ليس الأخير ما بين المُحتَل والمُقاوِم على أرض فلسطين، هذا الصراع الذي باتت تتصاعد وتيرته يوماً بعد يوم، ما بين “يوسف” وإخوته و”إيلي” وعصابته.





