لم يعد الحديث عن الحماية الاجتماعية ترفاً فكرياً أو مطلباً مؤجلاً، بل أصبح ضرورة وطنية ملحّة في ظل التحولات الاقتصادية والاجتماعية المتسارعة التي يعيشها المجتمع الفلسطيني، فالتقلبات في سوق العمل، واتساع دائرة العمل غير المنظم، وارتفاع نسب البطالة، كلها عوامل تكشف هشاشة منظومة الأمان الاجتماعي وتظهر الحاجة إلى رؤية شاملة تعيد الاعتبار لحقوق العاملين والعاملات على حد سواء.
في هذا السياق، تبرز قضية إدماج النساء في العمل النقابي باعتبارها ركيزة أساسية لأي مشروع حقيقي للحماية الاجتماعية، فالمرأة ليست مجرد مستفيدة من السياسات الاجتماعية، بل هي شريك أصيل في صياغتها والدفاع عنها، غير أن الواقع يشير إلى ضعف تمثيل النساء في الهيئات القيادية للنقابات، رغم حضورهن الواسع في قطاعات التعليم والصحة والخدمات والزراعة، وهذا الخلل في التمثيل ينعكس مباشرة على أولويات العمل النقابي وطبيعة القضايا التي تطرح ويدافَع عنها.
إن الحماية الاجتماعية لا تقتصر على الرواتب التقاعدية أو التأمين الصحي، بل تشمل منظومة متكاملة من الضمانات تكفل للعامل حياة كريمة في مختلف مراحل العمر، وتوفر له الأمان في حالات المرض أو البطالة أو إصابات العمل، وعندما تكون النساء خارج دوائر التأثير النقابي، فإن قضايا مثل إجازة الأمومة، وساعات العمل المرنة، وبيئة العمل الآمنة، ومكافحة التمييز، لا تحظى بالاهتمام الكافي، أو تبقى في إطار المطالب الثانوية.
من هنا، فإن تعزيز مشاركة النساء في العمل النقابي ليس مطلباً شكلياً مرتبطاً بفكرة “التمكين” المجرد، بل هو ضرورة تنظيمية وأخلاقية لضمان تمثيل حقيقي لواقع سوق العمل، فالنقابة التي لا تعكس تركيبة أعضائها تفقد جزءاً من شرعيتها وقدرتها على التفاوض والدفاع، وإدماج النساء في مواقع القيادة النقابية يسهم في تطوير أجندة أكثر شمولاً وعدالة، ويعزز ثقافة الحوار الداخلي والتشاركية في صنع القرار.
كما أن بناء نظام حماية اجتماعية عادل يتطلب شراكة بين النقابات والمؤسسات الرسمية ومؤسسات المجتمع المدني، على قاعدة الاعتراف بأن الأمن الاجتماعي شرط للاستقرار والتنمية، وفي هذا الإطار، ينبغي العمل على توسيع مظلة الضمان الاجتماعي لتشمل العاملات في الاقتصاد غير المنظم، وتوفير آليات تسجيل مرنة، وتخفيض كلفة الاشتراك للفئات الهشة، بما يضمن عدم إقصائهن من الاستفادة.
ولا بد كذلك من الاستثمار في التوعية النقابية بين النساء العاملات، وتشجيعهن على الانتساب والمشاركة الفاعلة في الانتخابات واللجان المتخصصة، فالمعرفة بالحقوق هي الخطوة الأولى نحو انتزاعها، والتنظيم هو الأداة الأكثر فاعلية لحمايتها، وإن النقابات القوية لا تبنى بعدد الأعضاء فقط، بل بمدى وعيهم وقدرتهم على التأثير الجماعي.
إن التحديات التي تواجه سوق العمل الفلسطيني تفرض علينا إعادة النظر في أولوياتنا، فالحماية الاجتماعية ليست ملفاً تقنياً يناقش في أروقة مغلقة، بل قضية تمسّ كرامة الإنسان وأمنه واستقراره، وإدماج النساء في العمل النقابي ليس إجراءً تكميلياً، بل مدخل أساسي لإعادة التوازن والعدالة داخل البنية التنظيمية والاجتماعية.
وعليه، فإن المرحلة المقبلة تتطلب إرادة سياسية ونقابية واضحة تضع الحماية الاجتماعية في صدارة الأجندة الوطنية، وترسّخ مبدأ الشراكة المتساوية بين النساء والرجال في قيادة العمل النقابي، فمجتمع يقصي نصف طاقته لا يستطيع أن يبني مستقبلاً آمناً، ونقابة لا تسمع صوت العاملات لا تستطيع أن تدّعي تمثيل العمال.





