الجمعة, مايو 1, 2026
spot_img
الرئيسيةزواياأقلام واراءغزة بين الإبادة والحماية الاجتماعية: المرأة العاملة في قلب المأساة بقلم: عامر...

غزة بين الإبادة والحماية الاجتماعية: المرأة العاملة في قلب المأساة بقلم: عامر عبد الله

ما خلّفته جريمة الحرب وما يرقى إلى الإبادة الجماعية في غزة ليس مجرد دمارٍ في البنية التحتية أو أرقام في تقارير دولية، بل واقعٌ مأساوي أعاد تشكيل الحياة اليومية للناس على نحو قاس ومفجع أحياء كاملة سوّيت بالأرض، ومصادر رزق اختفت، ومؤسسات إنتاجية وخدمية خرجت من الخدمة، ليجد المجتمع نفسه أمام انهيار شامل طال كل تفاصيل العيش والعمل.
هذا الخراب لم يترك مجالاً اقتصادياً إلا وأصابه بالشلل، فالمصانع الصغيرة أُغلقت، والورش دمّرت، والأسواق تراجعت، والقطاع الزراعي تلقى ضربات موجعة، وآلاف العمال فقدوا وظائفهم بين ليلة وضحاها، دون تعويض أو ضمان، وفي ظل غياب شبه كامل لأي شبكة أمان اجتماعي قادرة على استيعاب حجم الكارثة، ومع تعطل عجلة الاقتصاد، تحولت شرائح واسعة من المجتمع من منتجة إلى معتمدة على المساعدات الإنسانية، في مشهد يختزل حجم الانهيار الذي فرضته الحرب.
أما المرأة العاملة، فكانت في قلب هذه المأساة، فقد فقدت كثيرات أعمالهن في التعليم والصحة والخدمات والمشاريع الصغيرة، وتحوّلت أدوارهن من مساهمات في دخل الأسرة إلى محاولات يائسة لتأمين الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية، فالمرأة التي كانت تعمل في مشغل خياطة أو مشروع منزلي صغير، وجدت نفسها بلا أدوات إنتاج، وبلا سوق، وبلا قدرة على إعادة الانطلاق.
إلى جانب فقدان العمل، تتحمل النساء عبئاً مضاعفاً في ظل النزوح وتدمير المنازل، فهنّ المسؤولات عن رعاية الأطفال وكبار السن، وتأمين الغذاء والمياه في ظروف شديدة القسوة، ومعالجة آثار الصدمة النفسية داخل الأسرة، ومع غياب الاستقرار، تتراجع فرص التعليم والتدريب، وتتقلص إمكانات العودة إلى سوق العمل، ما يعمّق دائرة الفقر ويهدد بتهميش طويل الأمد للنساء اقتصادياً.
كما أن انهيار البنية المؤسسية أثّر على قدرة النقابات والمؤسسات المجتمعية على أداء دورها في الدفاع عن حقوق العاملين، فالأولوية باتت للبقاء وتوفير الإغاثة، فيما تراجعت ملفات الحقوق العمالية والحماية الاجتماعية إلى الخلف، غير أن المرحلة الراهنة تفرض إعادة التفكير في دور هذه الأطر، ليس فقط في الاستجابة الطارئة، بل في التخطيط لمرحلة التعافي، بحيث تكون المرأة العاملة شريكاً أساسياً في إعادة البناء الاقتصادي والاجتماعي.
إن آثار الحرب لا تقف عند حدود الخسائر المادية، بل تمتد إلى النسيج الاجتماعي وإحساس الناس بالأمان والاستقرار، فالبطالة الواسعة، وفقدان الدخل، وغياب الأفق، كلها عوامل تهدد بتفاقم الأزمات الاجتماعية والنفسية، وفي ظل هذا المشهد، تصبح الحماية الاجتماعية أولوية وطنية عاجلة، لا يمكن تأجيلها أو التعامل معها كملف ثانوي.
المطلوب اليوم هو الانتقال من منطق الإغاثة المؤقتة إلى بناء منظومة حقوق تضمن الحد الأدنى من الدخل، والرعاية الصحية، والدعم النفسي والاجتماعي، مع برامج خاصة لإعادة دمج النساء في سوق العمل، وتوفير تمويل صغير لإعادة إطلاق المشاريع المتضررة، وتأهيل مهني يتناسب مع واقع ما بعد الحرب.
إن إعادة الاعتبار للمرأة العاملة في غزة ليست قضية فئوية، بل مدخل أساسي لإعادة بناء المجتمع، فالمرأة التي صمدت في وجه الإبادة والدمار، قادرة على أن تكون قوة دفع في مسار التعافي، إذا ما توفرت لها الحماية والدعم والتمكين الحقيقي، وفي مواجهة هذا الواقع المأساوي، يبقى التمسك بالحق في الحياة الكريمة والعمل اللائق هو التعبير الأعمق عن رفض الإبادة، وعن الإصرار على أن غزة، رغم كل الجراح، ستنهض من جديد

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب