يعيش عمال وعاملات فلسطين مرحلة هي الأصعب منذ سنوات طويلة، في ظل تداخل الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتعمّق حالة عدم الاستقرار التي ألقت بظلالها الثقيلة على سوق العمل، فالتراجع الحاد في فرص التشغيل، وارتفاع معدلات البطالة، وتآكل القدرة الشرائية، كلها مؤشرات تعكس واقعاً ضاغطاً يهدد الأمن المعيشي لآلاف الأسر الفلسطينية.
لقد أدت التطورات الأخيرة وما رافقها من عدوان واسع على قطاع غزة إلى شلل قطاعات إنتاجية كاملة، بينما تعاني الضفة الغربية من قيود مشددة على الحركة والوصول إلى أماكن العمل، الأمر الذي عطّل سلاسل التوريد وأضعف الدورة الاقتصادية، فكثير من العمال الذين كانوا يعتمدون على العمل داخل الخط الأخضر فقدوا مصدر دخلهم، فيما لم تتوافر بدائل محلية قادرة على استيعاب هذا العدد الكبير من الأيدي العاملة.
في قطاع غزة، كانت النتائج كارثية؛ دمار واسع طال المصانع والمنشآت الصغيرة والمتوسطة، وتوقف شبه كامل لقطاعات البناء والصناعة والخدمات، ما أدى إلى تسريح أعداد ضخمة من العمال والعاملات، أما في الضفة الغربية، فقد أدى إغلاق الحواجز وتشديد القيود إلى إرباك سوق العمل، وتراجع نشاط التجارة الداخلية، وارتفاع نسب البطالة، خصوصاً بين الشباب والخريجين الجدد.
المرأة العاملة تواجه تحديات مضاعفة في هذا السياق؛ فهي غالباً ما تكون أول من يفقد عمله في أوقات الأزمات، وأقل من يحصل على الحماية القانونية والضمانات الاجتماعية، كما أن توسع دائرة العمل غير المنظم يضع آلاف العاملات خارج أي مظلة حماية، ما يفاقم هشاشتهن الاقتصادية والاجتماعية.
إلى جانب ذلك، يعاني العمال من ضعف منظومة الحماية الاجتماعية، سواء من حيث شمولها أو قدرتها على الاستجابة لحالات الطوارئ. كثير من العمال لا يتمتعون بتأمين صحي أو ضمان تقاعدي، ولا يحصلون على تعويضات عادلة في حالات إصابات العمل أو التعطل القسري، ومع تصاعد الأزمات، باتت الحاجة ملحّة إلى بناء شبكة أمان اجتماعي قادرة على حماية الفئات الأكثر تضرراً.
كما أن الحركة النقابية تواجه تحديات حقيقية تتعلق بقدرتها على التنظيم والتأثير في ظل الانكماش الاقتصادي وتشتت سوق العمل، فالدفاع عن حقوق العمال يتطلب تجديد أدوات العمل النقابي، وتوسيع قاعدة الانتساب، وتعزيز حضور النساء والشباب في مواقع القيادة، بما يضمن تمثيلاً أوسع لواقع القوى العاملة.
إن التحديات المتفاقمة التي تواجه عمال وعاملات فلسطين ليست قدراً محتوماً، لكنها تتطلب إرادة وطنية واضحة لمعالجة جذور الأزمة، من خلال دعم القطاعات الإنتاجية، وتحفيز المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتوسيع برامج التدريب المهني المرتبطة باحتياجات السوق، كما أن تعزيز الشراكة بين الجهات الرسمية والنقابات ومؤسسات المجتمع المدني يمكن أن يسهم في صياغة سياسات أكثر عدالة واستجابة للواقع.
في ظل هذه الظروف القاسية، يبقى العامل الفلسطيني عنوان الصمود اليومي، وهو الذي يدفع الثمن الأكبر في كل أزمة، وإن حماية حقوقه وضمان كرامته ليست مسألة اقتصادية فحسب، بل هي قضية وطنية وأخلاقية تتصل بمستقبل المجتمع كله، فمجتمع لا يصون حقوق عماله وعاملاته، يعرّض استقراره وأمنه الاجتماعي لمخاطر جسيمة، أما مجتمع يضع العمل اللائق في صدارة أولوياته، فإنه يرسخ أسس العدالة والتنمية المستدامة.





