ثقافة وادبزوايا

«إنهم يقتلون الجياد، أليس كذلك»؟

ec34fd87-30a3-4f4c-90a0-74c42c11e0b3
هل باتت «جائزة نوبل للآداب» أشبه بسباق خيول، ينتظر المتفرجون ـ كلّ عام ـ وصول «الحصان المحظوظ» إلى خط النهاية؟ من يتابع مكاتب المراهنات الغربية على عدد من المواقع الالكترونية المعنية بهذا الشأن، كما بعض مواقع الصحافة الأجنبية، سيجد نفسه فعلاً، في مضمار، وهو يشاهد ذاك «السباق العنيف»، وتلك المراهنات، و«ذاك الجنون» في إعلان أسماء «مرشحين» للفوز بـ «الجائزة الكبرى». وكأننا بذلك نستعيد العديد من مشاهد ذلك الفيلم الشهير («إنهم يقتلون الجياد، أليس كذلك»؟) حيث يخسر كل المرشحين الذين تتواتر أسماؤهم.
بيد أن هذه المواقع، تنسى أحيانا أنها تتعامل مع «الأدب» ومع «كتّاب» خطّوا سطورا في مسيرة الإنسانية، لتحولهم إلى مشاركين في احتفالات «موالد» على شرفهم، وهم غائبون عن ذلك كلّه، أي أن هؤلاء الكتّاب هم أبعد ما يكونوا عن تلك «الحماقات» المتنقلة التي تلفنا وتلفهم من كلّ جانب. بمعنى آخر، ليسوا هم المسؤولين عن هذه الحمّى التي تجتاح كل شيء، بل نجد أن من وراء ذلك، بعض «المراهنين» أو حتى بعض أصحاب دور النشر العالمية التي ترغب في الدفع بكتّابها من أجل عمليات التسويق أو ما شابه. وفي ذلك كلّه، ننسى أمرا مهما: لا يمكن لأي كاتب أن يرشّح نفسه لهذه الجائزة، بل هي «اللجنة الملكية السويدية»، التي تدرس ملفات الكتّاب التي يعملون عليها كل سنة بالتعاون مع لجان فرعية يشكلونها لهذا الغرض. وغالبا ما يأتي اسم الفائز مخالفا لكل التوقعات التي تطفو بقوة على السطح، قبل أيام من إعلان اسم الفائز، الذي سيكون هذا العام يوم الخميس المقبل في 13 الحالي.
اختلاف وخلاف
ثمة ملاحظة علينا الانتباه لها في كون الجائزة ستوزع يوم الخميس المقبل: في أغلب الأحيان، تعلن «جائزة نوبل للآداب» في الخميس الأول من شهر تشرين الأول، وحين تتأخر إلى الأسبوع الذي يلي فمعنى ذلك ـ كما يقول المراقبون ـ إن النقاشات كانت صعبة حول «سعيد الحظ»، وأن أعضاء «اللجنة الملكية السويدية»، لم يتفقوا بعد على اسم بطريقة تشكل اجماعا، بل اختلفوا في تفاصيل كثيرة، لهذا «أجّلوا» إعلانها لمزيد من المشاورات فيما بينهم. ترجمة هذه الفكرة عمليا، تفيد أن الذي سيتربع على عرش الآداب هذه السنة، ليس كاتبا ـ وبعيدا عن أهميته ـ حظي بإجماع «المنتخبين». هل ثمة سوء في ذلك؟ برأيي الخاص، أبدا. بل هو على العكس من ذلك. أن يُجمع الكلّ على شخص واحد وعلى أدب واحد، فهذا معناه قتل للأدب. ما معنى كل الفنون بدون التنوع الذي تقدمه؟ لا نجتمع هنا على «فكرة دينية» واحدة، بل على نص إنساني. وحتى الدين يبدو اليوم أشبه بطوائف وكل طائفة لديها «قديسوها» و «أولياؤها».. الخ.
في أي حال، تعيدنا الجولة على هذه المواقع والصحف إلى أسماء لا تبدو مجهولة أبدا في دنيا الأدب، بل هي أسماء، تتكرر على لوائح «الترشيحات» والترجيحات» منذ سنين، لدرجة أنها تبدو وكأنها باتت تشكل جزءا من «الديكور» العام لهذه الجائزة، ولا أتحدث بتاتا عن أهمية كل كاتب منهم، ولا عن المنجز الكبير الذي قدمه كل واحد. ولا أعرف في العمق، إن كانت هذه الجائزة ستقدم لهم شيئا بعد، بعد أن قدموا الكثير لهذه البشرية. وإن كان هناك سؤال مشروع: هل يقتصر تاريخ الأدب الكوني على هذه الأسماء فقط؟ مهما يكن من أمر، سأكتفي هنا، بتقديم أبرز خمسة أسماء تمّ تداولها بكثرة لغاية ظهر أمس الاثنين، وإن كان ذلك لا ينفي أن ثمة أسماء أخرى قد تأتي لتضاف قبل ساعات من إعلان اسم الفائز.
أبرز المرشحين
وفق مكاتب المراهنات، يأتي المرشح الأول الكاتب الكيني نغوجي واثيونغو. بداية، هو ليس بكاتب غريب عن المكتبة العربية إذ ترجمت العديد من أعماله إلى لغة الضاد، ومنها أبرز رواياته «تويجات الدم» وبحثه الموسوم «تصفية استعمار العقل» (الكتابان من ترجمة سعدي يوسف). من مواليد العام 1938، ناهض الاستعمار البريطاني لبلاده، وسجن لفترات متعددة. بدأ الكتابة بالانكليزية، لكنه خلال فترة اعتقاله العام 1977 قرر التخلي عن هذه اللغة ليكتب بلغته المحلية «كيكويو». عاش لفترات طويلة في المنفى، وهو يدرّس اليوم في جامعة «إيرفين» في كاليفورنيا. آخر كاتب افريقي حاز نوبل للآداب كان وول سوينكا النيجيري (1986)، هذا اذا استثنينا نجيب محفوظ (1988، لأنه يكتب بالعربية) وندين غورديمير (1991) و كوتزي (2003) على اعتبار انهما من الأفارقة البيض (من جنوب إفريقيا). نسبة الترشيحات 4 ضد 1.
يبدو الكاتب الياباني هاروكي موراكامي أحد أبرز الأسماء التي تستعاد كل عام. لكن غالبا ما يُطرح السؤال التالي: هل تكافئ الجائزة كاتبا لديه ملايين القراء في مختلف بقاع العالم؟ (ومنها بالعربية، حيث ترجمت إلى هذه اللغة أعماله الروائية كلّها). في أي حال، آخر الكتّاب اليابانيين الذين حظوا بهذه الجائزة كان كنزابورو أويه (1994) وآخر أسيوي كان الصيني مويان (2012)، لهذا يرى البعض أن تكون الجائزة من نصيب آسيا في هذه المدة القصيرة. نسبة الترشيح 5 ضد 1.
أشهر الأسماء العربية في الغرب، هو أدونيس بدون شك. لم يتوقف اسمه عن التواجد في كل اللوائح والترشيحات منذ سنين عديدة. كذلك لم يتوقف الشاعر السوري ـ اللبناني، المقيم في فرنسا منذ العام 1985، عن الكتابة، حيث صدرت له العديد من الكتب مؤخرا. سيكون العربي الثاني، فيما لو فاز، الذي يحظى بهذه الجائزة بعد محفوظ. لكن وكما تقول صوفي بوجاس في مجلة «لو بوان» (الفرنسية): «غالبا ما تعير الأكاديمية السويدية انتباهها إلى معارك الكتّاب السياسية، لهذا هل ستلتفت هذه المرة إلى ارتباطاتها بدون امتيازات»؟ سؤال الصحافية الفرنسية يحمل الكثير من وجهات النظر، ويمكن تأويله على أكثر من وجه. في أي حال، ليس علينا سوى الانتظار. نسبة الترشيح 7 ضد 1.
بدوره أصبح اسم الروائي الأميركي من المتواجدين كل عام على هذه اللوائح، وبدوره أيضا، ترجمت له بعض الأعمال إلى العربية منها «سخط» (دار الجمل)، «الوصمة البشرية» و «كل رجل» و «الحيوان المحتضر» (الهيئة المصرية العامة للكتاب).. هو اليوم في الثالثة والثمانين من عمره، وقد أعلن منذ سنوات، توقفه عن الكتابة نهائيا. في أي حال، آخر كاتب من الولايات المتحدة الأميركية حاز نوبل، كانت الروائية توني موريسون العام 1993. هل ستجتاح هذه الآداب العالم هذه السنة، مثلما تجتاح سياساتها وجيوشها كل البلدان؟ من يـــدري. نسبة الترشيح 12 ضد 1.
نسبة الترشيح عينها (12 ضد 1) يحوزها الكاتب المسرحي النروجي جون فوس، الذي يعتبر اليوم من أكثر كتّاب المسرح شهرة في العالم، (من مواليد العام 1957)، وإن كان أصدر بعض الروايات وكتب للناشئة. آخر كاتب اسكندنافي حاز نوبل كان الشاعر السويدي توماس ترانسترومر العام 2001، ولكن هذا لا يمنع من من حضور آداب تلك المنطقة مجددا، إذ غالبا ما اتهمت اللجنة بأنها تولي اهتمامها للأدب الأوروبي بعامة (81 كاتبا أوروبيا) من بينهم 15 كاتبا اسكندنافيا.
من يحوز نوبل للآداب هذه السنة؟ أفضل شيء أن ننتظر الساعة الثانية (بتوقيت بيروت) من بعد ظهر الخميس المقبل، عندها سيكون لدينا الخبر اليقين.

السفير

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى