
تؤكد مصادر حركة “فتح” أنّ المؤتمر العام السابع على الأبواب، وغالبا نهاية الشهر المقبل. وأكثر ما يجري تداوله هو البنية القيادية الجديدة المتوقعة للحركة، مع اتهامات أو تحذيرات بأنّ المؤتمر سيسعى إلى “تقزيم” الحركة، لتتلاءم مع ما يقال إنّها رؤية للرئيس الفلسطيني محمود عباس. وواقع الأمر أنّ الانشغال بالبنية القيادية يبدو “مدمرا”، لأنّ هناك أولويات أخرى. وثانياً، يبدو الاتهام/ التحذير من سيطرة رئيس الحركة على مؤتمرها نوعا من العبث غير المنطقي.
بداية، لا بد من التوقف عند أهمية حركة “فتح”. فرغم تراجع وجودها في مفاصل مهمة للقرار الفلسطيني، خصوصاً في قطاع غزة، ورغم أنه أصبح ممكنا أن تندلع حروب (كما في قطاع غزة) من دون أن تستطيع الحركة وقفها أو قيادتها، ورغم أن دورها في الشتات وبين الفلسطينيين في الخارج يتراجع، وأن دورها، كما كل الفصائل، بين الشباب، هو على الأغلب في تراجع، بدليل العمليات والتحركات الفردية، والحراكات الشبابية المستقلة، فإنّ الحركة ما تزال هي الخزان البشري الحاسم بين القوى الفلسطينية المنظمة، وما يزال وجودها في منظمة التحرير الفلسطينية، وفي الاتحادات المهنية والشعبية (رغم أنها تعطل الانتخابات في كثير منها)، ووجودها في الجامعات، أمرا حاسما، يجعل حالة الحركة ووضعها مؤثرين جدا في المشهد الفلسطيني.
كذلك، من العبث القول إن المؤتمر السادس الذي انعقد العام 2009، كان من دون جدوى كلياً. فمثلا، لولا ذلك المؤتمر، لكانت الحركة واجهت أزمة وفاة ورحيل عدد من قيادييها من دون بديل قانوني، من مثل هاني الحسن وصخر حبش اللذين لم يترشحا في الانتخابات الماضية. ورغم ضعف أداء غالبية أعضاء اللجنة المركزية الحالية، فإنّ هناك أعضاء في اللجنة السابقة اختفوا من الساحة تماماً تقريبا. وتم بأي حال تجريب عدد من الأعضاء الجدد، بغض النظر عن النتيجة.
بالنسبة لمسألة أنّ هناك مؤتمرا يقوم الرئيس عباس بتصميمه، أو كما قال العضو القيادي المفصول من الحركة محمد دحلان، في مقابلة مع “بي. بي. سي” بأنّ عباس يسعى إلى “إيجاد حركة محدودة القوة والقدرة”، وأن “ما يعرضه عباس على الوضع الفتحاوي الوطني هي خيارات محدودة؛ إما أن توافقوه على كل أفكاره أو تنافقوه أو تفارقوه، وهو ماضٍ في طريق هذا التخريب”، فإن هذا يبدو نوعا من المبالغة. فمؤتمر الحركة يتشكل بطريقة يصعب أن يحسمها أي شخص، حتى الرئيس نفسه، وفيها انتخابات موقعية، تحتدم على نحو لا يكون فيها لأي شخص مرجعية. وقد جرى التأكيد في مصادر عديدة أنّ أنصارا لدحلان نفسه دخلوا الانتخابات وفازوا في بعض الحالات القليلة، خصوصاً في قطاع غزة. كذلك، فإنّ حركة “فتح” بطريقة بنيتها التنظيمية، يصعب التحكم تماما ببنيتها، وبقرارات كوادرها الذين لهم حسابات قد لا تلتقي حتى مع الرئيس نفسه. من دون أن ينفي هذا القوة التي يمتلكها عباس في التأثير بالكثيرين، كما كان الأمر زمن الرئيس ياسر عرفات أيضاً.
لكن المشكلة الأساسية التي تعيشها “فتح” لا تتعلق ببنيتها القيادية، فحقيقة لا توجد تيارات أو رؤى ذات تباين سياسي كبير داخلها، بحيث تتغير سياسة الحركة بتغير لجنتها المركزية. وعدم التباين هذا، وعدم وجود هذه التيارات، هما بحد ذاتهما أزمة تعكس ترهل الحركة، وتعكس عدم التجدد، وعدم القدرة على طرح بدائل جديدة تناسب المرحلة.
بكل الأحوال، يشكل المؤتمر المقبل للحركة، إذا انعقد، فرصة ثانية، وربما نادرة، لن تتكرر كثيرا (بعد المؤتمر السادس)، لتجديد ما في البنية القيادية، وإنهاء الجدل حول موضوع “دحلان”، وإرسال رسالة أنّ هناك تضخيما في الجدل بشأنه. لكن الأهم كثيراً، أن يأتي من يقرع الجرس، ويسأل: ما هو برنامج “فتح” الحقيقي الشعبي لإنهاء الاحتلال؟ ماذا ستفعل “فتح” على صعيد مأزق المزاوجة بين السلطة ومهمات الحكومة، والمقاومة ومواجهة الاحتلال؟ وأن يسأل: كيف يجب أن تطور البنية التنظيمية، وتتأقلم مع حالة العمل العلني، وعصر الشبكات وتكنولوجيا المعلومات، والفواعل غير الدول، والدبلوماسية الشعبية؟
إذا ما انتقل النقاش الآن إلى هذه الأسئلة، وقُدمت إجابات في المؤتمر، ونوقشت هذه الموضوعات بعمق، فستكون هناك فرصة أمام الحركة للتجدد؛ وإلا ستستمر حالة التراجع.




