الرئيسيةزواياأقلام واراءمجزرة مخيم عين الحلوة ودخول دائرة النار .. بقلم : د.فريد اسماعيل

مجزرة مخيم عين الحلوة ودخول دائرة النار .. بقلم : د.فريد اسماعيل

اعتاد سكان مخيم عين الحلوة في منطقة صيدا كما مناطق الجوار ومعظم لبنان على مشاهد المسيرات الإسرائيلية وهي تجوب السماء فوق رؤوسهم ليل نهار، حتى غيابها احيانا لساعات اصبح يعطي انطباعا بأن شيئا ما فوق العادة سيحدث. يميزون مهامها بين مسيرات تصوير ومراقبة أو مسلحة وهجومية من زنين صوتها. لكن الحياة تستمر على رتابتها للاعتقاد السائد بأن دولة الاحتلال لم تدخل حتى الآن المخيمات في لبنان في دائرة النار بشكل فعلي.  مساحة المخيم صغيرة جدا لا تتجاوز الكيلومتر المربع الواحد بينما الكتلة السكانية قد تصل إلى المئة الف نسمة لأن قاطنيه ليس فقط من اللاجئين المسجلين رسميا فيه، وإنما أيضا يقطنه لاجئون من مخيمات وتجمعات أخرى إضافة إلى عدد لابأس به اللبنانيين ومن اللاجئين النازحين من سوريا وكذلك مقيمين من جنسيات أخرى. ولذلك فإن أي حدث أمني أو رصاص أو تفجير كفيل بايقاع الخسائر وسقوط الضحايا. لكن رغم ذلك الانطباع الذي كان سائدا ، إلا ان القلق يتزايد بسبب الإدراك بأن المخيمات في الداخل والشتات تشكل هاجسا اساسيا لدولة الاحتلال كونها تشكل كتلة متماسكة مرتبطة بحق العودة ورافعة نضال وطني متعدد الأشكال، ولذلك فإن العدو الصهيوني لن يتوانى عن ضربها متى استنبط الذريعة والحجة.

 

لقد تعرضت بعض المخيمات خلال حرب الشهرين على لبنان العام الماضي لهجمات بالمسيرات استهدفت شخصيات بعينها، إلا انها لم تشكل تغيرا جذريا في قواعد الاشتباك الصهيونية وبقيت في اطار حربه على حزب الله.

لكن هذه المرة دخل مخيم عين الحلوة في صيدا، وهو المخيم الفلسطيني الأقدم والأكبر في لبنان، دائرة الاستهداف المباشر حيث ارتكبت إسرائيل مجزرة مروعة استخدمت فيها الطائرات الحربية والصواريخ الثقيلة وحصدت أرواح ثلاثة عشر شابا وطفلا من المدنيين يمارسون لعبة كرة القدم في ملعب صغير تحيطه بيوت الأهالي من أبناء شعبنا اللاجئين إضافة إلى أكثر من ستين جريحا بعضهم في حالة حرجة، في تطور نوعي يختلف عن كل ما سبق ويهدف إلى إدخال المخيمات الفلسطينية في لبنان رسميا إلى دائرة النار والضغط على الجانبين الفلسطيني واللبناني على أمل خلق مواجهة داخلية مع لبنان من باب السلاح المتواجد فيه على حد زعم الجانب الإسرائيلي، مما سيحوله إلى عامل ضغط مباشر على السلطة اللبنانية وربما يساهم بفتح الباب أمام فرض شروط أمنية جديدة على لبنان.  فهذه المجزرة شكلت رسالة إسرائيلية واضحة بأن أمن المخيمات لن يكون معزولا عن معادلة الحرب على لبنان، وان على السلطات اللبنانية التحرك بشكل أكبر في ملف السلاح داخل المخيمات كما مع ملف حزب الله، لا سيما أن هناك وتيرة مرتفعة من الضغوط في المرحلة الراهنة. والحقيقة أن جهود دولتي لبنان وفلسطين لم تتوقف في هذا الإطار أو في معالجة هذا الملف ولا تنتظر موقفا أو إذنا من دولة الاحتلال أو غيرها. وقد كان رئيس دولة فلسطين ومنذ سنوات قد اتخذ موقفا واضحا بوضع سلاح المخيمات بعهدة الجيش اللبناني بعد أن فقد وظيفته، كذلك تم التوافق على هذا الموضوع بين الرئيسين الفلسطيني واللبناني خلال الزيارة الأخيرة للرئيس أبو مازن إلى لبنان. وبناء عليه سلمت حركة فتح وفصائل المنظمة سلاحها ووضعته في عهدة الجيش، أما باقي الفصائل لا سيما ما كانت تعرف بالتحالف والفصائل الإسلامية فلا زال الملف قيد المعالجة. لذلك فإن أحد اهداف استهداف مخيم عين الحلوة هو الرغبة في دفع لبنان نحو صدام داخلي مباشر ، إذ يدرك الجميع دقة الوضع المرتبط بهذا المخيم تحديدا خصوصا في ظل وجود مجموعات متطرفة بغض النظر عن حجمها. إضافة إلى ذلك فان هناك تصريحات إسرائيلية تشير إلى أن هذه المجزرة في مخيم عين الحلوة يمكن أن تكون جزءًا من معادلة جديدة لا سيما بعد أن اعلن وزير الدفاع الصهيوني كاتس انه لم تعد هناك اعتبارات انسانية لمخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان ولا خطوط حمراء أمام إسرائيل.  فالهجمات السابقة على مناطق لبنانية في الجنوب والبقاع والتي بدأت باستهدافات محددة ضد مواقع مفترضة، تتمدد ضمن المعادلة الصهيونية الجديدة لتشمل المخيمات الفلسطينية وتصل إلى عمق البيئات السكانية المكتظة مما يعني أن إسرائيل بدأت مسارا جديدا من التصعيد في إطار معادلة الضغط والردع، وقد جاءت هذه المجزرة لتشكل الإشارة الأكثر وضوحا على هذا التحول. هذا التطور يعيد إلى الواجهة المقارنة بين ما التزمت به إسرائيل في تفاهم نيسان للعام ١٩٩٦ لجهة تحييد المدنيين ، وما يجري اليوم من ضربات لا تكترث لهذا المبدأ ولا للمناشدات الدولية المرتبطة به.

من الواضح ان إسرائيل ليست في وارد التراجع عن المسار الحالي في التصعيد بالرغم من أن الرئيس اللبناني كان قد طرح الذهاب إلى التفاوض، لكن يبدو ان الولايات المتحدة الأمريكية ليست بعيدة عن التوجه الإسرائيلي، وهي تصعد أيضا من مستوى ضغوطها على لبنان. فقد ألغت الولايات المتحدة زيارة كان من المقررة أن يقوم بها قائد الجيش اللبناني رودولف هيكل إلى واشنطن في نوفمبر لعقد اجتماعات مع مسؤولين في البنتاغون بشان المساعدات العسكرية والتعاون الأمني على الحدود.  وجاء إلغاء واشنطن لجميع اللقاءات تعبيرا عن استياء أمريكي من موقف الجيش اللبناني خصوصا بعد بيان اعتبر انه يحمل إسرائيل المسؤولية عن التوترات دون انتقاد حزب الله ، مما دفعه إلى إلغاء الزيارة. وقد وصفت مصادر لبنانية هذه الخطوة بانها رسالة ضغط قاسية من واشنطن اتجاه الدولة اللبنانية والمؤسسة العسكرية متهمة الجيش اللبناني بالتباطؤ في تنفيذ قرار حصرية السلاح بيد الدولة. وهناك مخاوف من أن يؤدي هذا الموقف الأمريكي إلى تجميد الدعم العسكري للجيش اللبناني، وهو دعم اساسي للبنية الدفاعية اللبنانية. كما أن هناك تخوفا من أن تترك واشنطن المجال لإسرائيل للتحرك منفردة ضد حزب الله بما في ذلك العودة الكاملة للحرب والتي ربما لن تكون مخيماتنا بمنأى عنها لا سيما بعد مجزرة مخيم عين الحلوة وتصريحات كاتس ونتنياهو.

 

من الواضح بأن دولة الاحتلال تحسن استخدام الفرص وخلق الذرائع، كما أن تفكيك المخيمات وضرب بنيتها الوطنية وصولا إلى ازالتها يمثل هدفا صهيونيا استراتيجيا لما تمثله هذه المخيمات من عناوين لحق العودة ، وهذا ليس جديدا على هذا العدو الذي قام بإبادة مخيم النبطية للاجئين الفلسطينيين في الجنوب اللبناني عام ١٩٧٤ وازالته من الوجود. لذلك أصبح لزاما اليوم على جميع القوى الفلسطينية في لبنان تسريع الخطى لتحييد مخيماتنا عن أي صراع، والعمل على تأمين الأمن والاستقرار لها من خلال الالتزام بالقرار الوطني واللحاق بما قامت به فتح و فصائل المنظمة بتسليم السلاح للجيش اللبناني ووضعه في عهدته، واسقاط أي ذريعة أو حجة يمكن استغلالها من قبل العدو الصهيوني أو أي طرف آخر ، فاستقرار مخيماتنا وأمن أبناء شعبنا فيها يجب ان يكون فوق أي اعتبار.

 

 

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب