ثقافة وادبزوايا

بطيء المشي كقلب شجرة

349 (3)
نافذتان
شارع هذا العمر
شارع عديم الفائدة
لا يفضي إلى شيء
فقط ينساب مثل ضحكةٍ
ويجر الخطى ساعة تلو أخرى
لو كان بيتكِ على جانبيه
والمصابيح تفرغ العتمة من ظلها
لكنتُ بطيء المشي كقلب شجرة
ولأشعلت يدي سراجاً على بابكِ
وغنيت بعلو الفراغ
غنيت لكِ
حتى سقطت في الصفو وغبت
اتركيني
حيث أنا
منهكاً
ونحيلاً مثل خيطٍ نسلته أسنان أمي
فإن صار للبيتِ ورد
حتماً حتماً
سيلقيها عليّ حين يراني أصغي للرخام
وأسمع خطاكِ تنمو وردة وردة
وإنْ استفاقت نافذة البيت
سترشد ظلي إليّ حين تراني أقبّل الزجاج
وألمح طيفك يخاتل الستائر
ويفيض كضوء في كل الجهات
اتركيني
كما سأظل
فأنا صديق تفاحة دارك
وابن شجرة اللوز الوحيدة
هي أنجبتني حين مررت ظلها في قلبي
وهي اصطفتني حتى اختارني الندم
اتركيني
فلو فتحتِ باب البيتِ
وانسكبتِ على العتبات
لغرقتُ في شِبر بكاء.

خفيف كغبار الطلح
لم يتسعني الكون
امتلأت به وفاض بي
أنا حارس الكلام القليل وسيد السيرة المرّة
كسرت قامتي في الصعود إلى الله
واتكأت على قلبي للوصول
فصرتُ سراً في كف نجمة
كلما ابتعدت سمعت مرور الضوء في ساق القصب
وعلمت أن للموت سيرتين
الأولى في عين الأم
والثانية في قلب العاشقة
ألهذا كلما مررت نظرت أمي
وخفق القلب
سأمضي سنين كثيرة حتى أختبئ في درج الذاكرة
سأصير قليلاً كرّشة ملح
وخفيفاً كغبار الطلح
ومتى استفقت سأمشي في بالهم مثل نملة دؤوبة
ضئيلاً ومسالماً
فالبكاء بلّل وجهي
والقلب صار حجرة للمتعبين
سأمنح ظلي لقط عابر
وأترك قلبي أصيصاً لجارتنا العجوز
أما يدايّا فسأهبهما لسائس خيل
وما تبقى سأتركه للرمل
ألا يكفي أن أصير رملاً لأحيا من جديد
ستحملني الريح للبلاد التي لم أزرها
فربما أعود إلى قلبي
حيث تركت جارتنا تزرع الورد
وربما أصبح خيلاً في زجاجة
تحملني سائحة من شمال القارة الشقراء
كم سأكون بعيداً عنكِ
وكم ستكونين قريبة
لو صهرتني النار وصرت نافذة
سترين فيّ مدينة بعيدة
ووجه زيتونة عالية
سترين كل الكلام الذين نما بيننا
لا تمرري يدك
ولا تحدقي كثيراً
أخشى أن أعود كما كنت
شجرة على ضفافكِ
أنتِ
أيتها النهر الهادر.

ذاكرة الرخام
جدّي
تركت يدَيّ في يديه
وذات شمس علّمني الحياة
شاهدته يحمل الخبز لبيت الطين
يحمل من الليمون جذعاً
ويمضي إلى الحقل كزيتونة عالية
يخطو كخيل في عينها لمعة من بكاء
حين هوى ذات صيف
سمعت نحيب الشجر
ولمحت الفجر يصلي في جنازته
ومذ حينها وجدي يصحو مبكراً
يزيح شاهد القبر
ويمضي إلى الحقل كعادته
..
أخي
يضحك في الرخام
ومثل عشب طري يلهو بالهواء
علّمته أمي أن الحياة قصيرة
فمضى ولم يفق
وكأن أمي قالت وصية
..
أسير محروساً بالبياض
فأسمع
عمي يناديني
ينام كسنبلة في الرمل
اليمنى على اليسرى
والشامة ذاتها
ويداه تكتبان سيرة الليمون
وكلما مضى به الغياب خطوة
تابعت ضحكته ترن
وعيناه تدمعان
السكر المحمول في روحه
سكبته الرياح في النهر
ومضت تروي “الزيزفون” و”الكينا”
..
وخطوت مثل الوقت دقيقة أو اثنتين
وصعدت
وحين رسمت قبري
قلت:
سأعبر الكون مرة واحدة
لا أَمْسي سيمسكني ولا غدي سيعرفني
وأكتب في القبر نصاً
يحيني كلما بكيت.

محمد ابو عرب
* شاعر فلسطيني أردني

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى